بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

الممرات الساخنة.. والنفوذ العالمي (1-2)

من بكين إلى “هُرمز”.. قمة ترامب وشي تعيد رسم التنازلات الإيرانية ومعادلة الملاحة والطاقة العالمية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

ترسم نتائج القمة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين ملامح مرحلة جديدة من الضغوط الجيوسياسية التي تتشابك خيوطها مباشرة مع مسار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية المستمرة عبر الوساطة الباكستانية.

في التوقيت الذي تبحث فيه واشنطن عن حسم ملفات الشرق الأوسط الساخنة للتفرغ لترتيبات التنافس الاستراتيجي الأكبر مع التنين الآسيوي، تجد طهران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد؛ حيث لم تعد المظلة الاقتصادية والسياسية الصينية شيكاً على بياض، بل أصبحت محكومة بسقوف التفاهمات الكبرى بين القوتين الأعظم في العالم.

وضعت هذه القمة الخطوط العريضة لما يمكن تسميته بـ”هندسة التنازلات المتبادلة”، حيث تتقاطع رغبة ترامب في تحقيق انتصار دبلوماسي خارجي سريع عبر تفكيك معضلة التخصيب الإيراني، مع حاجة بكين الملحة لضمان تدفقات الطاقة من دون هزّات أمنية قد تعصف بالاقتصاد العالمي المتباطئ.

ظل التنين فوق المفاوضات

لم تكن طهران غائبة عن طاولة البحث في بكين، بل شكلت بنداً رئيساً في صياغة مفهوم الاستقرار الإقليمي المشترك. وتكشف كواليس اللقاءات أن الإدارة الأمريكية حاولت توظيف النفوذ الاقتصادي الهائل للصين كرافعة ضغط أساسية لإجبار الجانب الإيراني على القبول بشروط تسوية “مستدامة” تتجاوز مجرّد التهدئة المؤقتة.

الصين، التي تُعد المستورد الأكبر للنفط الإيراني والعمود الفقري لصمود طهران في وجه العقوبات القاسية، باتت تنظر إلى استمرار التوتر في الممرات المائية الحيوية كمهدد مباشر لأمنها القومي واقتصادها. هذا التحول الدبلوماسي يفرض على المفاوض الإيراني في إسلام آباد إعادة تقييم حدود مناورته، حيث تدرك طهران أن “شبكة الأمان” الآسيوية لم تعد مطلقة الصلاحية إذا ما تعارضت مع رغبة بكين في تجنّب مواجهة بحرية شاملة قد تغلق شريان الطاقة العالمي في مضيق “هُرمز”.

من جهتها، سعت واشنطن لتقديم حوافز تجارية لبكين مقابل تضييق الخناق على قنوات الالتفاف الإيرانية على العقوبات النفطية، وهو ما يضع طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانخراط الجاد في صيغة “صفر تخصيب طويل المدى”، أو مواجهة عزلة يغيب عنها الدعم الصيني التقليدي.

معادلة النفط وأمن الملاحة

يمثل أمن الملاحة البحرية وحرية تدفق الطاقة عبر مضيق “هُرمز” و”باب المندب” النقطة المركزية التي تلتقي فيها مصالح الخصوم والحلفاء على حدّ سواء.

وقد أكدت المواقف الصادرة عقب قمة بكين أن الجانبين الأمريكي والصيني يتفقان على ضرورة إنهاء حالة السيولة الأمنية في البحر الأحمر والخليج العربي، وهو موقف يحمل رسالة تحذيرية غير مباشرة إلى طهران بضرورة كبح جماح أي تحركات قد تؤثر على الملاحة الدولية.

بالنسبة لترامب، فإن تأمين هذه الممرات من دون الانزلاق إلى مستنقع عسكري جديد يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية “أمريكا أولاً”، بينما ترى بكين أن أي تصعيد إيراني إضافي قد يدفع واشنطن إلى عسكرة كاملة للمياه الإقليمية، وهو ما ترفضه الصين جملة وتفصيلاً لأنه يهدد خطوط مبادرة “الحزام والطريق”.

هذا التقاطع في المصالح يضغط على مسار التفاوض الحالي، حيث لم يعد النقاش محصوراً في تفاصيل الملف النووي فحسب، بل امتد ليشمل صياغة ترتيبات أمنية إقليمية ملزمة تضمن تدفق النفط كشرط أساس لأي انفراجة اقتصادية أو رفع جزئي للعقوبات عن طهران.

حسابات القوة بعد الضربات

تأتي هذه التحركات الدبلوماسية الدولية في وقت تبدو فيه البيئة الميدانية والسياسية داخل إيران محكومة بمعادلات جديدة فرضتها نتائج الضربات العسكرية السابقة والتحولات المتسارعة في بنية شبكات النفوذ الإقليمي.

تعيش العاصمة الإيرانية حالة مراجعة حسابات داخلية بعدما أثّرت الاستهدافات المتكررة على بعض منشآتها الحيوية وبناها التحتية، ما جعل خيار الاستمرار في سياسة “حافة الهاوية” مكلفاً للغاية وغير مضمون النتائج، خصوصاً في ظل غياب غطاء استراتيجي صلب من الحلفاء الدوليين.

تعكس المفاوضات الحالية المستمرة عبر القنوات الباكستانية هذا الواقع الجديد، حيث تسعى طهران للحفاظ على أوراق قوتها المتبقية، مع إبداء مرونة غير مسبوقة في مناقشة مقترحات التهدئة قصيرة المدى، مثل صيغة التسوية المؤقتة لمدة ثلاثين يوماً.

وتشير المواقف الرسمية الإيرانية بحذر إلى استعدادها للبحث في أطر جديدة للرقابة الدولية على منشآتها النووية، شريطة الحصول على ضمانات اقتصادية موثوقة تشمل الإفراج عن الأصول المجمّدة والسماح بتصدير الحصص النفطية من دون ملاحقة أمريكية.

مستقبل الهدنة والوساطة الباكستانية

باتت مسودة الاتفاق النهائي المعروضة على طاولة إسلام آباد محكومة بشكل مباشر بحدود التفاهمات الضمنية التي جرت في بكين بين دونالد ترامب وشي جين بينغ.

تضغط الوساطة الباكستانية حالياً باتجاه بلورة صيغة توفيقية ترتكز على خفض نسب تخصيب اليورانيوم الإيراني إلى مستويات لا تسمح بالوصول إلى العتبة العسكرية، مقابل جدول زمني تدريجي لرفع العقوبات الأمريكية ومراقبة صارمة لخطوط الملاحة.

غير أن العقبة الأساسية تكمن في مدى التزام الإدارة الأمريكية بتقديم ضمانات لا تتأثر بالتقلبات السياسية الداخلية، ومدى قدرة إيران على تفكيك عناصر التوتر الإقليمي من دون التضحية بنفوذها الاستراتيجي.

تظهر نتائج القمة الأمريكية-الصينية أن الحل في الشرق الأوسط يمرّ عبر قنوات التوافق بين القوى العظمى؛ فبينما يطمح ترامب لإغلاق هذا الملف بصفقة استعراضية كبرى، تجد إيران نفسها مجبرة على التكيف مع واقع جديد لا تكون فيه الصين ملجأً كاملاً من العقوبات، بل وسيطاً يطلب التنازلات حفاظاً على مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية أولاً.