تُعيد إيران إنتاج حضورها الإقليمي والدولي عبر نموذج قائم على إدارة الفوضى وتوظيفه كأداة نفوذ، لا كنتيجة جانبية للصراعات. فمنذ العام 1979، لم تتعامل طهران مع الخليج العربي بوصفه جواراً سيادياً مستقلاً، بل مجرد امتداد جيوسياسي ينبغي اختراقه وإعادة تشكيله بما يخدم رؤيتها التوسعية بعيدة المدى.
تبنّت القيادة الإيرانية، منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية، مفهوم “تصدير الثورة” كجزء عضوي من هويتها السياسية والأيديولوجية، عبر السعي إلى توسيع النفوذ خارج الحدود، ودعم الحركات والتنظيمات المرتبطة بمشروعها العقائدي في المنطقة.
هذا التصور لم يبقَ حبيس الشعارات الثورية، بل تبلور تدريجياً في عقيدة تشغيلية واضحة، تولّت تنفيذها مؤسسات أمنية وعسكرية، في مقدمتها الحرس الثوري؛ وذلك عبر مروحة أدوات تتراوح بين الميليشيات المسلحة، والخلايا النائمة، والحرب السيبرانية، واستهداف البنى الاقتصادية الحيوية.
الجذور العقائدية للسلوك الإيراني
تتقاطع في قلب هذا النهج، الأيديولوجيا مع الاستراتيجية بشكل يصعب معه فصلهما؛ فمفهوم “تصدير الثورة” لم يكن مجرّد خطاب تعبوي مرحلي، بل تحول إلى إطار دائم يُشرعن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، خصوصاً في البيئات التي تعاني من هشاشة سياسية أو انقسامات اجتماعية. في هذا السياق، يُعاد تقديم الخليج العربي في الأدبيات الإيرانية كساحة مواجهة مفتوحة مع ما تعتبره طهران “منظومة إقليمية معادية”، وهو توصيف يمنحها مبرراً دائماً لبناء شبكات نفوذ عابرة للحدود.
هذا التوجه يستند إلى مزيج من الدوافع؛ دينية تُضفي شرعية على التدخل، وثقافية تسعى إلى تعميم النموذج الخميني، واجتماعية تستثمر في التفاوتات والهويات الفرعية، واقتصادية تدرك أن التحكم غير المباشر بمفاصل الطاقة في الخليج يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط عالمية في مواجهة العقوبات. بهذا المعنى، أصبحت السياسة الإيرانية تجاه الخليج جزءاً من تصور أشمل لإعادة صياغة موازين القوى الإقليمية، لا ردّ فعل على ضغوط خارجية فحسب.
الخليج ساحة الاستهداف المباشر
انعكس هذا الإطار النظري بوضوح في السلوك العملي على الأرض. فمنذ أوائل الثمانينيات، دخلت دول مجلس التعاون الخليجي في دائرة استهداف متدرّج، بدأ بمحاولات زعزعة الاستقرار السياسي، وتطور لاحقاً إلى عمليات أمنية معقّدة استهدفت منشآت حيوية وشخصيات ومصالح استراتيجية. ولم يكن هذا المسار عشوائياً، بل اتسم بقدر عالٍ من الانتقائية، حيث ارتبطت كثافة الاستهداف بموقع كل دولة في معادلة التوازن الإقليمي.
في هذا السياق، برزت المملكة العربية السعودية كهدف رئيس، نظراً لثقلها الديني والاقتصادي، وهو ما تجلّى في عمليات نوعية مثل تفجير أبراج الخبر في العام 1996، الذي كشف عن قدرة طهران على إدارة عمليات معقّدة عبر شبكات وسيطة. وفي البحرين، استمر نمط الاختراق الأمني عبر خلايا مرتبطة بالحرس الثوري، فيما شهدت الكويت محطات متكررة من النشاطات السرية المرتبطة بشبكات إيرانية.
أما الإمارات، فيمكن القول إنها واجهت نمطاً مختلفاً من التهديدات، شمل تهريب الأسلحة والأنشطة غير المشروعة التي تُستخدم كقنوات تمويل موازية، ما يعكس تطور الأدوات الإيرانية من العمل الأمني المباشر إلى بناء منظومات تأثير اقتصادية موازية، قادرة على العمل في الظل وخلق بيئات حاضنة لنفوذ طويل الأمد.
الجزر الإماراتية والبعد الاستراتيجي
يبقى احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى منذ العام 1971، أحد أبرز تجليات الأطماع الإقليمية المباشرة. فهذه الجزر، التي تتموضع في مكان حساس بالقرب من مضيق هرمز، لم تُعامل من قبل طهران كقضية حدودية قابلة للحل، بل كأصل استراتيجي إيراني يجب الاحتفاظ به وتعزيزه.
وعلى مدى عقود، رفضت إيران جميع المبادرات الإماراتية الرامية إلى حل النزاع بالطرق السلمية، سواء عبر التفاوض الثنائي أو اللجوء إلى التحكيم الدولي؛ ما يعكس تمسكاً واضحاً بمنطق فرض الأمر الواقع. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تحولت هذه الجزر إلى نقاط ارتكاز عسكرية متقدمة، تُستخدم لمراقبة حركة الملاحة الدولية، وربما كنقاط انطلاق لعمليات بحرية أو صاروخية عند الحاجة.
هذا البعد العسكري يمنح إيران قدرة إضافية على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويُحوّل النزاع من قضية سيادية ثنائية إلى عنصر فاعل في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
تصعيد عسكري وتحول نوعي
مع اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى في 28 فبراير/شباط 2026، دخلت المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد المباشر. انتقلت خلالها طهران من استراتيجية “الحرب بالوكالة” إلى استخدام أدواتها العسكرية بشكل علني، معتمدة على ترسانة متطورة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وخلال هذه المرحلة، تعرضت دول مجلس التعاون لسلسلة هجمات مكثفة، شملت إطلاق مئات الصواريخ وآلاف الطائرات المسيّرة، استهدفت منشآت حيوية في الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان. وعلى الرغم من نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض نسبة كبيرة من هذه الهجمات، فإن آثارها امتدت إلى البنى التحتية للطاقة، ما أثار مخاوف جدية بشأن استقرار الإمدادات العالمية.
لم يكن هذا التصعيد مجرد ردّ فعل عسكري، بل حمل في طياته رسائل استراتيجية واضحة مفادها: أي مواجهة مع إيران لن تكون محدودة، بل ستطال مصالح حيوية تتجاوز حدود المنطقة. فاستهداف منشآت الطاقة يعكس إدراك طهران لمدى حساسية هذه البنى الحيوية في الاقتصاد العالمي، ويستهدف نقل كلفة الصراع إلى مستوى دولي، بحيث لا تبقى محصورة في الإطار الإقليمي.
لا يتوقف هذا النهج عند حدود الخليج أو الشرق الأوسط، بل يمتد إلى مساحات جغرافية أبعد، حيث عملت إيران على بناء شبكات نفوذ في مناطق أخرى، مستفيدة من هشاشة بعض الأنظمة وضعف الرقابة في بيئات معينة. هذه الشبكات لا تعمل فقط كأدوات دعم لوجستي، بل تشكل جزءاً من منظومة أوسع لإدارة الصراع على مستوى عالمي.
من خلال هذه الامتدادات، تستطيع طهران توزيع الضغوط على خصومها، وخلق توازنات غير مباشرة تُعقّد من قدرة الأطراف الأخرى على احتواء نفوذها. وهو ما يعكس تحولاً من سياسة إقليمية تقليدية إلى استراتيجية متعددة المستويات، تُدار فيها الصراعات عبر شبكة مترابطة من الجبهات.
مشروع طويل الأمد
يتضح أن السلوك الإيراني ليس نتاج لحظة سياسية عابرة، بل تعبيرٌ عن مشروع طويل الأمد يقوم على إعادة تشكيل موازين القوى عبر الفوضى المنظمة. وفي قلب هذا المشروع، يظل الخليج العربي الساحة الأكثر حساسية، لا لموارده وموقعه فحسب، بل لأنه يمثل نقطة تقاطع حاسمة في النظام الدولي.
وبينما تستمر طهران في اختبار حدود هذا النهج، يبقى التحدي أمام دول المنطقة والمجتمع الدولي في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة ردع فعالة، قادرة على احتواء هذا المسار قبل أن يتحول إلى واقع دائم يعيد رسم خرائط النفوذ بطريقة يصعب تغييرها.















