بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل إخباري

لندن في مُواجهة “الباسداران”: هل تقترب بريطانيا من لحظة كسر الصَّمت تجاه الحرس الثوري الإيراني؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتجه الساحة السياسية في لندن نحو مرحلة أكثر حساسية في التعامل مع الحرس الثوري الإيراني، المعروف أيضاً باسم “الباسداران”، وسط تصاعد غير مسبوق في الدعوات البرلمانية لتصنيفه منظمةً إرهابية. ويعكس هذا الحراك انتقال الملف من دائرة النقاش الأمني المحدود إلى مستوى سياسي واسع يشمل البرلمان والحكومة والرأي العام.

تجاوز عدد النواب وأعضاء مجلس اللوردات الدَّاعمين لخطوة الحظر حاجز 550 توقيعاً، فيما دفع مجلس لندن المحلي باتجاه مكاتبة الحكومة رسمياً للمضي في هذا المسار. وعلى الرغم من هذا الزخم، ما تزال الحكومة البريطانية تتعامل بحذر، في موقف يعكس توازنات دقيقة بين الاعتبارات الأمنية والحسابات الدبلوماسية مع إيران.

انتقال من التردد إلى التشريع

في تطور لافت، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنه سيتخذ خلال أسابيع إجراءات تُمهّد عملياً لوضع الحرس الثوري الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية، مُعتبراً أن الخطوة تتطلب مساراً تشريعياً واضحاً وليس مُجرّد قرار تنفيذي.

هذا التصريح، الصَّادر خلال زيارة إلى كنيس في لندن تعرّض لهجوم بزجاجات حارقة، يعكس تحولاً مُهماً في خطاب الحكومة من إدارة الملف بحذر إلى إدخاله في مسار تشريعي مُحدد. والأهم أن ستارمر ربط التنفيذ بانطلاق الدورة البرلمانية المقبلة، ما يعني أن الحظر لم يعد خياراً نظرياً بل مشروع قانون قيد الإعداد.

كما تشير تسريبات سياسية، نقلتها وسائل إعلام بريطانية، إلى أن قانون تصنيف “الباسداران” قد يُدرج ضمن خطاب الملك تشارلز الثالث في مايو/أيار المقبل، وهو ما يمنحه بُعداً دستورياً، ويُؤكد أن الملف بات جزءاً من أولويات الدولة وليس فقط الحكومة.

هذا التطور لا يمكن قراءته كخطوة معزولة، بل كمؤشر على إعادة صياغة في مقاربة بريطانيا لملف “التهديدات المرتبطة بدول”. فبعد سنوات من الاعتماد على العقوبات بدل التصنيف الشامل، يبدو أن الحكومة باتت مُقتنعة بأن الأدوات الحالية لم تعد كافية لمواجهة شبكات يُعتقد ارتباطها بـ”الباسداران” داخل الأراضي البريطانية.

هنا تبرز نقطة جوهرية، بريطانيا لا تتحرك فقط ضد تنظيم، بل تعيد النظر في الإطار القانوني الذي يُحدد كيف تُصنّف الكيانات المرتبطة بدول ذات سيادة عندما تتجاوز أنشطتها الحدود التقليدية للدبلوماسية.

البُعد الأمني والضغوط البرلمانية

لا يُمكن فصل هذا التحول عن التقديرات الأمنية المتزايدة داخل أجهزة الاستخبارات البريطانية. فالإشارات المتكررة من جهاز (MI5) حول إحباط مخططات مُرتبطة بإيران، إلى جانب تقارير برلمانية عن نشاط استخباراتي غير مُعلن، خلقت بيئة سياسية أكثر تقبلاً لفكرة التصعيد القانوني.

بمعنى آخر، الحظر لم يعد مُجرد مطلب سياسي، بل أصبح مدعوماً بسردية أمنية تعتبر أن التهديد لم يعد خارجياً فقط، بل بات يمتد إلى الداخل البريطاني نفسه.

هنا تجدر الإشارة إلى أن تحرك ستارمر لا يأتي فقط من زاوية أمنية، بل أيضاً نتيجة ضغط سياسي مُتراكم من المعارضة وبعض أجنحة البرلمان. فارتفاع عدد الداعمين لتصنيف “الباسداران” يعكس تحوّلاً في المزاج السياسي البريطاني نحو مقاربة أكثر تشدُّداً مع إيران.

هذا الضغط أسهم في دفع الحكومة من موقع “المراجعة” إلى موقع “التشريع”، وهو انتقال نوعي في إدارة الملف.

الحسابات الدبلوماسية: الحذر الذي لم يختفِ

على الرغم من هذا التحول، لا تزال الحكومة البريطانية تتحرك ضمن سقف دبلوماسي حساس. إن تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية قد ينعكس مباشرة على العلاقات مع طهران، خصوصاً في الملفات النووية وقضايا المعتقلين والمصالح الإقليمية. لذلك، يظهر المسار الحالي كحركة مزدوجة: تشدد في الخطاب الأمني والتشريعي، مقابل ضبط محسوب في التنفيذ النهائي.

يمكن القول إن بريطانيا دخلت فعلياً مرحلة “ما قبل القرار” في ملف “الباسداران”. تصريحات كير ستارمر لا تعني الحظر الفوري بقدر ما تعني تثبيت مسار سياسي–قانوني يؤدي إليه، لكن ضمن إطار محسوب زمنياً وتشريعياً.

وبين ضغط برلماني متزايد، واعتبارات أمنية متصاعدة، وحسابات دبلوماسية معقدة، يبدو أن لندن لم تعد تناقش “هل تحظر”، بل “كيف ومتى وبأي صيغة قانونية” ستفعل ذلك.