بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

اختبارات متكررة

اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل.. هدنة هشة تكشف استحالة فصل الجبهة اللبنانية عن الصراع الإيراني الإسرائيلي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يسعى البيت الأبيض إلى تسويق التفاهم الذي أُعلن عنه في واشنطن بشأن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بوصفه خطوة أولى نحو إعادة الاستقرار إلى الجبهة الجنوبية، إلا أن المعطيات السياسية والميدانية المحيطة به تكشف أن الاتفاق وُلد في بيئة شديدة التعقيد تجعل فرص نجاحه موضع شك منذ اللحظة الأولى.

الاتفاق لم يأتِ نتيجة تبدل جذري في مواقف الأطراف المتصارعة، بل جاء نتيجة ضغوط دولية ورغبة أمريكية في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية أوسع. وبينما تنظر واشنطن إلى التفاهم باعتباره مدخلاً لإعادة تثبيت القرار 1701 وتعزيز دور الدولة اللبنانية جنوباً، تتعامل الأطراف المنخرطة في الصراع معه باعتباره محطة ضمن مواجهة مستمرة لم تُحسم أسبابها السياسية والأمنية بعد.

وتكمن نقطة الضعف الأساسية في أن الاتفاق يحاول بناء تفاهم أمني فوق أرضية سياسية غير مستقرة. فالمواجهات العسكرية لم تنتهِ فعلياً، والخلافات حول مستقبل الجنوب اللبناني ودور “حزب الله” وسلاحه ما تزال قائمة، فيما تتجاوز تداعيات الصراع الحدود اللبنانية لتتصل مباشرة بالتنافس الأمريكي الإيراني وبالحسابات الأمنية الإسرائيلية.

صدام الشروط يهدد التسوية

يقوم جوهر المقاربة الأمريكية على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية عبر توسيع انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وإقامة ترتيبات أمنية تدريجية تحد من الوجود المسلح خارج المؤسسات الرسمية. وتعتبر واشنطن أن هذه الخطوة تشكل مدخلاً لبناء الثقة وخلق ظروف تسمح بانتقال الأزمة من الميدان إلى طاولة التفاوض.

لكن إسرائيل تنظر إلى الاتفاق من زاوية مختلفة، إذ ترى أن أي تهدئة حقيقية يجب أن تقترن بإجراءات تضمن منع عودة البنية العسكرية لـ”حزب الله” إلى المناطق الحدودية، مع الإبقاء على قدرة إسرائيل على التحرك ضد ما تعتبره تهديدات أمنية محتملة. ومن هنا، فإن تل أبيب لا تتعامل مع الاتفاق بوصفه نهاية للصراع، بل كأداة لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها.

في المقابل، جاء موقف “حزب الله” ليؤكد حجم التباين بين الأطراف. فقد رفض الأمين العام للحزب نعيم قاسم إعلان واشنطن واعتبر أن أي اتفاق ينطلق من هدف نزع سلاح المقاومة أو تقليص دورها العسكري يمثل محاولة لفرض شروط سياسية عجزت إسرائيل عن تحقيقها بالحرب. كما شدد على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان الإسرائيلي والانسحاب من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، معتبراً أن المقاومة ستستمر ما دام الاحتلال والاعتداءات قائمين.

ويعكس هذا الموقف معضلة جوهرية تواجه الاتفاق، إذ إن أحد الأطراف الأساسية في المعادلة اللبنانية لا يرى في التفاهم المطروح أساساً للحل، بل يعتبره جزءاً من مشروع سياسي وأمني يستهدف إعادة تشكيل موازين القوى داخل لبنان والمنطقة.

فجوة التنفيذ تقوض التفاهم

بعيداً عن المواقف السياسية، تبرز إشكالية أخرى تتمثل في صعوبة تنفيذ بنود الاتفاق على أرض الواقع. فنجاح أي ترتيبات أمنية جديدة يتطلب وجود تفاهم داخلي لبناني وإقليمي حول أهدافها وآليات تطبيقها، وهو ما لا يبدو متوافراً حتى الآن.

فالجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يشكل العمود الفقري للترتيبات الجديدة، يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالإمكانات والظروف السياسية المحيطة به. كما أن أي محاولة لفرض واقع جديد في الجنوب من دون توافق وطني واسع قد تدفع البلاد إلى مزيد من الانقسام والتوتر.

كذلك فإن الاتفاق لا يقدم إجابات واضحة بشأن كيفية التعامل مع الخروقات المحتملة أو مع التفسيرات المتباينة لبنوده. فإسرائيل تتحدث عن حقها في التحرك ضد أي تهديد مستقبلي، بينما يتمسك “حزب الله” بحق الردّ على أي اعتداء أو استمرار للاحتلال. وبين هذين الموقفين المتناقضين، تبدو فرص بناء آلية مستقرة لضبط التوتر محدودة.

والأهم من ذلك أن الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل سلاح “حزب الله” وطبيعة الضمانات الأمنية المطلوبة لكل طرف، لم تُحل فعلياً بل جرى تأجيلها. وهو ما يجعل الاتفاق أقرب إلى إطار مؤقت لإدارة الأزمة منه إلى تسوية تعالج جذورها.

لبنان في قلب المواجهة الإقليمية

تكشف التطورات الأخيرة أن الساحة اللبنانية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الصراع الإقليمي الدائر بين الولايات المتحدة وإيران. فكل خطوة سياسية أو عسكرية على الجبهة الجنوبية ترتبط بحسابات أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي وأمن إسرائيل ومستقبل شبكة التحالفات التي بنتها طهران خلال العقود الماضية.

وتدرك واشنطن أن أي نجاح في إعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان سيشكل مكسباً استراتيجياً يحد من نفوذ إيران ويعزز موقع الدولة اللبنانية. وفي المقابل، ترى طهران أن الحفاظ على أوراق القوة التي يمتلكها حلفاؤها في المنطقة يشكل جزءاً أساسياً من منظومتها الدفاعية وقدرتها على مواجهة الضغوط الغربية والإسرائيلية.

لذلك لا يمكن النظر إلى رفض “حزب الله” للاتفاق باعتباره مجرد اعتراض على بعض البنود التقنية، بل باعتباره انعكاساً لرؤية استراتيجية أوسع تعتبر أن الصراع في لبنان مرتبط مباشرة بالتوازنات الإقليمية وبمستقبل “محور المقاومة” في المنطقة. وهذا ما يجعل أي محاولة لعزل الملف اللبناني عن محيطه الإقليمي أمراً بالغ الصعوبة.

كما أن استمرار التوتر في ملفات إقليمية أخرى يزيد من تعقيد المشهد، إذ يمكن لأي تطور في العلاقة بين واشنطن وطهران أو أي تصعيد عسكري في المنطقة أن ينعكس فوراً على الجبهة اللبنانية، بما يضع الاتفاق أمام اختبارات متكررة تتجاوز قدرته الذاتية على الصمود.

هل يصمد الاتفاق أم ينهار؟

تكشف مواقف الأطراف المختلفة أن الاتفاق يواجه منذ انطلاقه أزمة ثقة حقيقية. فإسرائيل ترى فيه أداة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب، فيما تنظر إليه واشنطن كمدخل لاحتواء التصعيد وفتح مسار سياسي جديد. أما “حزب الله” فيعتبر أن البنود المطروحة تتجاهل جوهر الصراع وتسعى إلى تحقيق أهداف سياسية وأمنية لم تستطع الحرب فرضها.

وفي ضوء هذا التباين العميق، تبدو هشاشة الاتفاق انعكاساً مباشراً لهشاشة التوازنات التي يقوم عليها. فهو يحاول الجمع بين رؤى متناقضة حول الأمن والسيادة ومستقبل الصراع من دون أن ينجح في معالجة القضايا الأساسية التي أدت إلى اندلاعه.

وعليه، قد ينجح التفاهم في خفض مستوى المواجهات لفترة محدودة ومنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يبدو حتى الآن قادراً على إرساء استقرار طويل الأمد. الصراع لم يعد مجرد نزاع حدودي بين لبنان وإسرائيل، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات الردع والنفوذ والسيادة.

من هنا، فإن مستقبل الاتفاق سيبقى رهناً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز منطق إدارة الأزمة والانتقال إلى معالجة أسبابها الحقيقية. أما إذا استمرت الخلافات الحالية على حالها، فإن التفاهم الذي وُلد في واشنطن قد يتحول إلى هدنة مؤقتة لا أكثر، تمهد لجولة جديدة من الصراع بدلاً من أن تؤسس لمرحلة من الاستقرار الدائم.