تعرضت أسهم شركات أشباه الموصلات الأمريكية لواحدة من أعنف موجات البيع منذ سنوات، بعدما تبخر نحو 1.3 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال يومين فقط، في تراجع أعاد إلى الأذهان المخاوف من المبالغة في تقييم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأثار تساؤلات حول قدرة القطاع على مواصلة الارتفاعات الاستثنائية التي حققها منذ بداية العام.
جاءت الخسائر الحادة هذه عقب إعلان “برودكوم”، أحد أبرز المستفيدين من سباق الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين، نتائج فصلية خيبت آمال المستثمرين، وأظهرت أن الطلب على أعمالها الخاصة بالرقائق لم يرقَ إلى التوقعات المرتفعة التي راهنوا عليها؛ وهبط سهم الشركة بنحو 8% الجمعة، معمقاً خسائره خلال يومين إلى 20%.
كما حدثت بالتزامن مع صدور بيانات وظائف أمريكية أقوى من المتوقع عززت الرهانات على بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول؛ ما دفع المستثمرين إلى التخارج من أسهم التكنولوجيا الأعلى سعراً والأكثر حساسية لتكاليف التمويل.
إنفيديا تقود الخسائر
نتيجة لذلك، هبط مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات (PHLX) بنسبة 10.3% خلال جلسة الجمعة، مسجلاً أكبر خسارة يومية منذ ذروة اضطرابات جائحة كورونا في مارس/آذار 2020. كما بلغت خسائر المؤشر نحو 12% خلال جلستين فقط، رغم أنه لا يزال مرتفعاً بنحو 73% منذ بداية العام بعد موجة صعود تاريخية قادتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
تعكس قيمة الـ1.3 تريليون دولار، إجمالي القيمة السوقية التي فقدتها كبرى شركات الرقائق المدرجة في الولايات المتحدة خلال موجة البيع الأخيرة. وتصدرت “إنفيديا” قائمة الخاسرين، بعدما تراجع سهمها بنحو 6%، ماحياً أكثر من 300 مليار دولار من قيمتها السوقية في جلسة واحدة. يُذكر أن صانعة الرقائق العملاقة تُعد حجر الأساس في طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع هيمنتها على سوق المعالجات الرسومية المستخدمة في تدريب وتشغيل النماذج المتقدمة.
أما شركة “مايكرون تكنولوجي”، المتخصصة في رقائق الذاكرة، فقد هبط سهمها بنحو 13%؛ ما أدى إلى خسارة 150 مليار دولار من قيمتها السوقية، في واحدة من أكبر الانخفاضات بين شركات القطاع.
وتراجعت شركة “مارفيل تكنولوجي” بنسبة 17%، بينما نزفت “أدفانسد مايكرو ديفايسز” (AMD) نحو 11% من قيمتها السوقية. وبالمثل تقريباً، انخفضت أسهم شركات أخرى مرتبطة مباشرة بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى اتساع دائرة الخسائر لتشمل معظم مكونات مؤشر أشباه الموصلات.
ومع جمع الخسائر السوقية لأكبر شركات القطاع التي ذُكرت، وغيرها من الشركات ذات الصلة، تبلغ القيمة الإجمالية المفقودة نحو 1.3 تريليون دولار، وهو رقم يعادل أكثر من 60% من اقتصاد دول كبرى مثل أستراليا أو إسبانيا.
ضغوط الفائدة تعمق الخسائر
لم تكن نتائج “برودكوم” وحدها السبب وراء التراجع. فقد أظهرت بيانات سوق العمل الأمريكية استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، بعدما أفاد مكتب إحصاءات العمل أن الاقتصاد أضاف 172 ألف وظيفة في مايو/أيار، بقيادة قطاعات الترفيه والضيافة والرعاية الصحية، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى حوالي 80 ألف وظيفة. في حين عُدّلت قراءة إبريل/نيسان بالزيادة إلى 179 ألف وظيفة من 115 ألفاً، بينما بقي معدل البطالة ثابتاً عند 4.3%؛ وهو ما عزز اعتقاد المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يكون مضطراً إلى خفض أسعار الفائدة قريباً.
تُعد هذه الأخبار سلبية بالنسبة لأسهم التكنولوجيا مرتفعة النمو، لأن ارتفاع الفائدة يقلل القيمة الحالية للأرباح المستقبلية التي تعتمد عليها تقييمات هذه الشركات. وبالطبع، انعكس ذلك على سوق “وول ستريت” بأكملها، مع تراجع مؤشر “إس آند بي 500” بنسبة 2.6% خلال الجلسة نفسها، بينما قادت شركات التكنولوجيا الخسائر.
هل انتهت موجة الذكاء الاصطناعي؟
من منظور السوق، فإن ما حدث لا يمثل نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي، بل يعكس تصحيحاً طبيعياً بعد صعود استثنائي. فخلال العامين الماضيين، تدفقت مئات المليارات من الدولارات إلى أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما دفع تقييماتها إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً.
يقول دينيس ديك، من “تريبل دي تريدينغ”، إن “كثيراً من المستثمرين اعتادوا شراء الأسهم عند كل انخفاض سعري، وهي استراتيجية حققت أرباحاً كبيرة خلال الأشهر الماضية، إلا أن جلسة الجمعة أظهرت أن هذه القاعدة لم تعد مضمونة دائماً”.
من جهته، يرى أوه سونغ كوون، كبير استراتيجيي الأسهم في “ويلز فارغو”، أن قطاع أشباه الموصلات وصل إلى مستويات شراء مفرطة، ما جعل حدوث تصحيح أمراً متوقعاً. وأضاف أن عمليات البيع الحالية لا تعني نهاية السوق الصاعدة لأسهم الرقائق، بل تعكس إعادة تقييم للمخاطر بعد موجة ارتفاعات استثنائية.
اختبار “سبيس إكس”
تأتي هذه التطورات في وقت تستعد الأسواق لحدث ضخم يتمثل في الطرح العام الأولي المرتقب لشركة “سبيس إكس” التابعة لإيلون ماسك، والذي يقدر تقييمها بنحو 1.75 تريليون دولار. في هذا الصدد، بدأ المستثمرون في إعادة توزيع رؤوس أموالهم استعداداً للاكتتابات الكبرى المقبلة، بالتوازي مع تزايد المخاوف من أن بعض أسهم الذكاء الاصطناعي أصبحت تتداول عند تقييمات تفترض استمرار النمو القوي لسنوات طويلة.
رغم الخسائر الحادة خلال اليومين الماضيين، لا يزال قطاع أشباه الموصلات أحد أفضل القطاعات أداءً في السوق الأمريكية خلال العام 2026، مدعوماً بالطلب المتنامي على مراكز البيانات والحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
مع ذلك، فإن التراجع يكشف عن تحول مهم في مزاج المستثمرين، الذين باتوا أقل استعداداً لمنح الشركات تقييمات أعلى لمجرد ارتباطها بالذكاء الاصطناعي. فبعد أن قادت الرقائق موجة الصعود في “وول ستريت” مؤخراً، أصبحت مطالبة اليوم بإثبات أن النمو الاستثنائي في الإيرادات والأرباح قادر على مواكبة التوقعات المرتفعة التي بُنيت عليها قيمها السوقية.















