يتسلم كيفن وارش قيادة البنك المركزي الأمريكي في واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية والسياسية حساسية بين البيت الأبيض والفيدرالي خلال السنوات الأخيرة. في ظل استمرار الضغوط التضخمية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وعودة الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حدود استقلالية المؤسسة النقدية الأكبر والأكثر تأثيراً في العالم عن السلطة التنفيذية.
مع أدائه اليمين رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي في 22 مايو/أيار، خلفاً لجيروم باول، يبدأ وارش مرحلة جديدة في إدارة مؤسسته، وسط ترقب واسع من الأسواق العالمية والكونغرس والبيت الأبيض، لمعرفة اتجاه السياسة الأمريكية ذات الصلة خلال الأشهر المقبلة. وهل سيعمل على خفض الفائدة، كما يفضل الرئيس دونالد ترامب، أم سيمنحه التضخم المحدود هامشاً ضيقاً للمناورة.
تقاطعات اقتصادية وسياسية
يرث وارش اقتصاداً أمريكياً يواجه جملة من التحديات المعقدة في وقت واحد. فبعد خمس سنوات متتالية تجاوز فيها التضخم مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، لا تزال الأسر الأمريكية تتعامل مع ضغوط معيشية متزايدة، بينما تُضيف فيه اضطرابات الشرق الأوسط مخاطر جديدة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
في موازاة ذلك، يزداد الجدل داخل الأسواق بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والإنتاجية والنمو المستقبلي، وهي ملفات أشار وارش بنفسه إلى أنها ستكون جزءاً من تقييمه للمرحلة المقبلة.
هذا التداخل بين التضخم والضغوط الجيوسياسية والتحولات التكنولوجية يضع الرئيس الجديد للفيدرالي أمام معادلة دقيقة: حماية النمو الاقتصادي من جهة، ومنع موجة تضخم جديدة من جهة أخرى، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني، حيث تتحول المؤشرات الاقتصادية سريعاً إلى عامل سياسي مؤثر.
اجتماع يونيو.. أول اختبار حقيقي
تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السوق المفتوحة يومي 16 و17 يونيو/حزيران، والذي سيكون أول اختبار عملي لوارش. ورغم نفوذه الكبير، فإن القرار النقدي لا يُتخذ منفرداً، بل يحتاج إلى توافق داخل اللجنة، ما يعني أن الرئيس الجديد سيكون مطالباً ببناء تحالف داخلي يدعم أولوياته.
وخلال أول 100 يوم، من المرجح أن يبدأ وارش بتشكيل فرق عمل لدراسة ملفات التضخم والتواصل المؤسسي والميزانية العمومية، تمهيداً لصياغة توجهات أكثر وضوحاً.
لكن الأسواق لن تنتظر طويلاً. فأي خفض للفائدة قبل ترسخ مسار هبوط التضخم قد يدفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى الارتفاع، ويعيد طرح أسئلة حساسة بشأن استقلالية الفيدرالي، بينما قد يؤدي تشديد إضافي إلى ضغوط سياسية داخلية الجميع في غنى عنها.
أولويات رئيسية ترسم ملامح المرحلة:
أولا: العودة إلى التفويض الأساسي
إن إعادة تركيز الاحتياطي الفيدرالي على مهمته التقليدية، المتمثلة باستقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف، يُعد من أهم أولويات وارش للمرحلة القصيرة المقبلة. فهو يرى أن المركزي انخرط خلال السنوات الماضية في ملفات تتجاوز نطاقه المباشر، من بينها المناخ وبعض القضايا التنظيمية الأوسع، وهو ما يعتبره انحرافاً عن الدور الأساسي للمؤسسة.
ورغم أن هذا الطرح ينسجم مع خطاب الإدارة الأمريكية الحالية، فإن تنفيذه عملياً سيعني مراجعة أوسع للعلاقة بين الفيدرالي والملفات التنظيمية، وربما يفتح الباب أيضاً أمام نقاش تشريعي داخل الكونغرس حول صلاحيات المؤسسة.
على سبيل المثال، اقتصر اهتمام الفيدرالي بتغير المناخ إلى حد كبير على تقييم كيفية تسعير البنوك للمخاطر المتعلقة بالمناخ في قرارات الإقراض، وتقييم ملفات تعريف مخاطر الأطراف المقابلة، وهو تحديداً نوع التدقيق المتوقع من جهة تنظيمية مصرفية، على غرار تركيز الفيدرالي مؤخراً على مخاطر الأمن السيبراني. وبالمثل، فإن دور المؤسسة في الإفصاح عن الرهن العقاري وحماية المستهلك مستمد من تشريعات الكونغرس وليس من توسع نطاق صلاحياته بشكل تلقائي.
ثانياً: إعادة تعريف التعامل مع التضخم
تتمثل الأولوية الثانية لوارش في إصلاح شامل لكيفية قياس الفيدرالي للتضخم واستهدافه. فلطالما انتقد الرئيس الجديد نهج “متوسط التضخم المرن” الذي تبناه المركزي في 2020، داعياً إلى استهداف صارم لمعدل 2%.
كما يُعد وارش من أشد المؤيدين لأسعار الفائدة كأداة رئيسية لمكافحة التضخم، وتراه يميل إلى تقليص الاعتماد على أدوات التيسير الكمي، والعمل تدريجياً على تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي، التي قفزت من أقل من تريليون دولار قبل أزمة 2008 إلى أكثر من 6 تريليونات دولار حالياً.
لكن هذا المسار يظل محفوفاً بالحساسية، لأن أي تشديد سريع أو غير محسوب قد يضغط على النمو ويرفع كلفة الاقتراض ويؤثر مباشرة في الأسواق.
ثالثاً: تقليص الإشارات المسبقة للأسواق
أما الأولوية الثالثة فتتمثل في تقليل ما يعرف بالتوجيه المستقبلي. وارش لا يخفي تحفظه على نهج الإعلان المسبق المفصل، وتوقعات مسؤولي الفيدرالي بشأن تحركات السياسة النقدية المستقبلية. ويرى أن الإفراط في الإشارات الاستباقية يقيد مرونة صُناع القرار. وإذا مضى بهذا التوجه، فقد تشهد الأسواق تراجعاً في الاعتماد على “المخطط النقطي” الشهير لمسار الفائدة، ما قد يغير طبيعة التواصل بين البنك المركزي والمستثمرين.
تشمل أولويات السياسة التي حددها وارش أيضاً إجراء بحوث حول كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على الناتج الاقتصادي وإمكانات الإنتاج، وتحسينات لأنظمة الدفع الداخلية للاحتياطي الفيدرالي، والالتزام بعدم السعي وراء عملة رقمية للبنك المركزي.
قرار الفيدرالي لا يتوقف عند واشنطن
لا تقتصر رهانات المرحلة على الاقتصاد الأمريكي، فالفيدرالي يدير السياسة النقدية المرتبطة بالعملة الاحتياطية الأولى في العالم، ما يجعل أي قرار بشأن الفائدة ينعكس مباشرة على حركة رؤوس الأموال وأسعار الصرف وكلفة الاقتراض عالمياً. وبالطبع، ستكون الاقتصادات الناشئة تحديداً من أشد المتابعين لجميع التطورات، لأن تغير السياسة الأمريكية يعيد رسم تدفقات الاستثمار ويؤثر على الدولار والديون المقومة به لديها.
لهذا فإن أول 100 يوم من ولاية كيفن وارش لن تكون اختباراً لقيادته داخل واشنطن فقط، بل مؤشراً على كيفية عمل أكبر بنك مركزي في العالم عندما تتشابك السياسة بالنقد، والتكنولوجيا بالتضخم، والاقتصاد الأمريكي بالاستقرار المالي العالمي.















