بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

مؤسسات دولية تدق ناقوس الخطر: الاقتصاد العالمي يدفع ثمن الحرب.. توقعات النمو تنخفض والركود والتضخم إلى الواجهة

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تتزايد المخاوف من أن تتحول الحرب في الشرق الأوسط من أزمة جيوسياسية إقليمية إلى عامل ضاغط على الاقتصاد العالمي بأكمله، بعدما دفعت الاضطرابات في أسواق الطاقة والمؤشرات التضخمية مؤسسات دولية كبرى إلى خفض توقعاتها للنمو العالمي خلال هذا العام والعام المقبل.

في أحدث التقديرات الصادرة الأربعاء، رسمت كل من “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” و”البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية” صورة أكثر تشاؤماً للاقتصاد العالمي، مع تحذيرات من أن استمرار النزاع وما يرافقه من ارتفاع في أسعار النفط والغاز والأسمدة قد يترك آثاراً عميقة على الاستثمار والتوظيف والنشاط الاقتصادي، ولا سيما في أوروبا والاقتصادات النامية.

تعكس هذه التحذيرات اتساع نطاق التداعيات الاقتصادية للحرب، التي بدأت تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة والتجارة الدولية، إضافة إلى الدول المنخرطة مباشرة في النزاع، في وقت لم يستعد فيه الاقتصاد العالمي زخمه الكامل بعد سنوات عِجاف من تداعيات جائحة كورونا وأزمات التضخم المتلاحقة.

ارتفاع مخاطر الركود والبطالة

في تقريرها الفصلي عن الاقتصاد العالمي، خفّضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للنمو العالمي إلى 2.8%، من 2.9%، في حال عادت صادرات النفط والغاز من دول الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب خلال الربع الثالث من العام الجاري. غير أن السيناريو الأكثر تشاؤماً يتمثل في استمرار الحرب والاضطرابات المصاحبة لها حتى عام 2027، إذ تتوقع المنظمة في هذه الحالة أن يتباطأ النمو العالمي إلى 2.1%، وهو مستوى يقل بشكل ملحوظ عن متوسط النمو البالغ 3.4% الذي شهده الاقتصاد العالمي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2019 قبل تفشي جائحة “كورونا”.

قال كبير الاقتصاديين في المنظمة، ستيفانو سكاربيتا، إن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للنزاع ترتفع كلما طال أمده، مشيراً إلى أن العديد من الاقتصادات قد تواجه مخاطر الركود نتيجة تراجع الاستثمار وارتفاع تكاليف الإنتاج وتآكل القدرة الشرائية للأسر.

وأضاف، بأن انخفاض الإنفاق الاستثماري من المرجح أن ينعكس على أسواق العمل من خلال زيادة معدلات البطالة، وهو ما قد يضيف ضغوطاً جديدة على الحكومات والبنوك المركزية التي ما زالت تكافح لإعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة.

التضخم يعود إلى الواجهة

في أفضل السيناريوهات التي رسمتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإنه حتى لو تمكنت الأطراف المتصارعة من التوصل إلى وقف شامل ونهائي لإطلاق النار خلال الأسابيع المقبلة، تتوقع المؤسسة الأممية ارتفاع معدل التضخم العالمي إلى 4% خلال العام الجاري، مقارنة مع 3.4% في عام 2025.

يعني هذا الارتفاع استمرار الضغوط الناجمة عن أسعار الطاقة والأسمدة والسلع الأساسية المرتبطة بقطاع المحروقات، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر في تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار الغذاء.

هنا، ترى المنظمة أن الاقتصادات النامية ستكون الأكثر تضرراً من هذه التطورات، نظراً لأن الأسر في تلك الدول تخصص نسباً أكبر من دخلها للإنفاق على الغذاء والطاقة مقارنة بالدول المتقدمة، ما يجعلها أكثر حساسية لأي ارتفاعات إضافية في الأسعار.

أوروبا في قلب العاصفة

في الوقت الذي تبدو فيه الولايات المتحدة أكثر قدرة على امتصاص صدمة الطاقة بفضل إنتاجها المحلي الكبير من النفط والغاز، تواجه أوروبا ضغوطاً أكبر نتيجة اعتمادها النسبي على واردات الطاقة وارتفاع تكاليفها على القطاع الصناعي، في وقت تواجه فيه القارة منذ سنوات تحديات مرتبطة بتراجع القدرة التنافسية وجموح تكاليف الإنتاج مقارنة بمنافسيها في آسيا شرقاً وفي بلاد العم سام غرباً.

وبموجب “السيناريو المحدود زمنيا”، أي التوصل إلى تهدئة للصراع خلال الأسابيع المقبلة، تُقدر المنظمة انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو إلى 0.8% فقط هذا العام مقارنة مع 1.4% في العام الماضي.

كما توقعت في المقابل أن يتباطأ نمو الاقتصاد الأمريكي إلى 2% هذا العام، وإلى 1.8% في عام 2027، بعد أن سجل نمواً بنسبة 2.1% خلال العام الماضي.

البنك الأوروبي: فجوة الطاقة مع أمريكا تتسع

في السياق ذاته، خفّض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية توقعاته الاقتصادية في مناطق عملياته للعام الجاري بمقدار نصف نقطة مئوية عن تقديرات فبراير/شباط، إلى 3.1%، مقارنة بـ 3.4% في عام 2025. مشيراً إلى أن الحرب في الشرق الأوسط ألحقت ضرراً أكبر بأوروبا مقارنة بالولايات المتحدة بسبب الفوارق الكبيرة في تكاليف الطاقة.

وأوضح البنك أن أسعار الغاز في أوروبا أصبحت أعلى بنحو خمسة أضعاف من مستوياتها في الولايات المتحدة، فيما تواصل الفجوة بين الجانبين الاتساع، وبأن أسعار الكهرباء الأوروبية لا تزال أعلى بكثير من مثيلاتها الأمريكية، ما يفرض أعباء إضافية على الشركات والمصانع.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في البنك، بياتا يافورتشيك، إن النزاع يفاقم الضغوط على اقتصادات كانت تعاني أساساً من ضعف النشاط الصناعي وهشاشة الأوضاع المالية، مضيفة أن ارتفاع أسعار الطاقة يقلص القدرة التنافسية ويعيد تغذية التضخم ويحد من قدرة الحكومات على تقديم دعم مالي إضافي.

الشرق الأوسط يدفع الثمن الأكبر

سجل البنك أكبر خفض في توقعاته لمنطقة جنوب وشرق المتوسط التي تضم عدداً من الاقتصادات الأكثر تعرضاً لتداعيات الحرب، من بينها مصر والأردن والعراق، إضافة إلى لبنان، الذي توقع انكماش اقتصاده بنسبة 2% هذا العام، في ظل استمرار الحرب بين إسرائيل وحزب الله، بعد توقعات في شباط/فبراير بنموه 4%.

وفي مؤشر على حجم المخاطر الاقتصادية المتصاعدة، كان البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية قد أعلن في إبريل/نيسان الماضي تخصيص خمسة مليارات يورو لدعم الاقتصادات المتضررة من تداعيات الحرب، في محاولة للحد من آثارها على النمو والاستقرار المالي.

كما تشير مجمل التقديرات الدولية إلى أن مسار الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة بات مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، إذ إن أي إطالة أمد النزاع قد لا تؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار الطاقة، بل قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من النمو الضعيف والتضخم المرتفع، وهي معادلة طالما شكلت أحد أكثر التحديات تعقيداً أمام صناع السياسات الاقتصادية حول العالم.