بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

بريطانيا تواجه “علاوة مخاطر” جديدة: المستثمرون يترقبون حقبة ما بعد ستارمر.. وعوائد السندات تضيّق هامش المناورة

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تواجه بريطانيا موجة جديدة من الضغوط المالية مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، والأعلى بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى، مع تصاعد الشكوك السياسية حول مستقبل رئيس الوزراء كير ستارمر، ومخاوف متزايدة من عودة التضخم بفعل التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.

بلغ العائد على السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات، أي المبلغ الذي ستدفعه الحكومة مقابل الاقتراض المستقبلي، 5.13% الثلاثاء، في إشارة واضحة إلى تنامي قلق المستثمرين من المسار المالي والاقتصادي للمملكة المتحدة وسط الأوضاع الراهنة. وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على المالية العامة، ويحد من قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق أو إطلاق برامج تحفيز اقتصادي جديدة.

مخاوف سياسية تضغط على الأسواق

أصبحت حالة عدم اليقين السياسي في بريطانيا عاملاً أساسياً في تسعير السندات الحكومية، خصوصاً مع تزايد التكهنات بشأن مستقبل ستارمر، الذي تولى السلطة في يوليو\تموز 2024 بأغلبية برلمانية كبيرة، وإمكانية استبداله بشخصيات قد تتبنى سياسات مالية أكثر توسعاً.

قال غوردون شانون، الشريك في “توينتي فور” لإدارة الاستثمارات، إن “هناك قدراً كبيراً من الخوف ينعكس حالياً في أسعار السندات البريطانية”، وبأن معظم الأسماء المطروحة لخلافة ستارمر “قد تميل إلى زيادة الاقتراض الحكومي، باستثناء وزير الصحة ويس ستريتينغ”.

وأشار شانون إلى أن عمدة مانشستر الكبرى، آندي بورنهام، وهو أحد الأسماء المتداولة لرئاسة الحكومة، قد يقترض 50 مليار جنيه إسترليني إضافية خلال خمس سنوات، أي بزيادة 12% تقريباً عن الخطط الحالية، إذا استُثني الإنفاق الدفاعي من القيود المالية الحالية.

صدمة ليز تراس و”علاوة الغباء”

لا تزال الأسواق تتذكر تداعيات الأزمة التي فجرتها رئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تراس في العام 2022، عندما أدت خطتها الكارثية لخفض الضرائب إلى انهيار حاد في سوق السندات، ما أجبر بنك إنجلترا على التدخل للحد من المخاطر.

وقال كيفن توزيه، عضو لجنة الاستثمار في شركة “كارمينياك” الفرنسية لإدارة الأصول، إن المستثمرين فرضوا على بريطانيا ما يُسمى بـ”علاوة الغباء”، في أعقاب أزمة السوق التي أطلقتها ميزانية تراس المصغرة، “وقد يكون هذا هو المناخ الذي نتجه إليه”.

رغم ذلك، يستبعد بعض مديري الأصول تكرار سيناريو الانهيار الحاد الذي شهدته الأسواق في 2022، معتبرين أن السياسيين البريطانيين باتوا أكثر حذراً في ما يتعلق بخطط الاقتراض والإنفاق.

أعلى كلفة اقتراض بين الاقتصادات الكبرى

تُظهر المقارنات الدولية اتساع الفجوة بين بريطانيا ونظرائها من الاقتصادات الكبرى. فبينما بلغ العائد على السندات البريطانية لأجل عشر سنوات 5.12%، سجلت السندات الأمريكية المماثلة نحو 4.45%، رغم قوة النمو الاقتصادي الأمريكي، في حين بقيت العوائد الألمانية عند 3.10% فقط، مستفيدة من صورة ألمانيا كاقتصاد أكثر انضباطاً مالياً.

ومنذ بداية العام، ارتفعت عوائد السندات البريطانية بنحو 0.64 نقطة مئوية، أي أكثر من ضعف الزيادة المسجلة في الولايات المتحدة وألمانيا خلال الفترة نفسها. ولو استمر هذا الاتجاه، سنشهد تضخماً لفاتورة خدمة الدين العام البريطاني بصورة كبيرة. إذ تقدّر هيئة الرقابة المالية في المملكة المتحدة أن كل ارتفاع بمقدار نقطة مئوية واحدة في عوائد السندات سيضيف نحو 15 مليار جنيه إسترليني سنوياً إلى مدفوعات فوائد الدين بحلول العام 2030.

التضخم وحرب إيران 

لا ترتبط أزمة السندات البريطانية بالعوامل السياسية فقط، بل تمتد أيضاً إلى المخاوف التضخمية الناتجة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، والتي دفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى الارتفاع بنحو 50% منذ نهاية فبراير\شباط.

فاعتماد بريطانيا الكبير على واردات الغاز الطبيعي، يجعلها أكثر عرضة لصدمات أسعار الطاقة مقارنة ببعض الاقتصادات الأوروبية الأخرى. وقالت ألكسندرا إيفانوفا، مديرة صناديق الاستثمار في شركة “إنفيسكو”، إن المستثمرين يطالبون بعوائد أعلى على السندات البريطانية بسبب مزيج من مخاطر السيولة والسياسة والتضخم وتقلبات السوق.

وبعدما رجّح سابقاً عودة التضخم إلى هدفه البالغ 2%، يتوقع بنك إنجلترا اليوم أن يتجاوز معدل التضخم في بريطانيا مستوى 6% مطلع العام المقبل إذا استمر جموح أسعار الطاقة.

في غضون ذلك، بدأت الأسواق تسعّر احتمال رفع سعر الفائدة الأساسي إلى 4.5% بحلول فبراير\شباط 2027، مقارنة بمستواه الحالي البالغ 3.75%، رغم تشكيك عدد من الاقتصاديين في قدرة الاقتصاد البريطاني على تحمل مزيد من التشديد النقدي في ظل ضعف توقعات النمو.

تغير هيكل المستثمرين

من بين العوامل الأقل وضوحاً وراء ارتفاع عوائد السندات البريطانية، التغير الهيكلي في قاعدة المستثمرين داخل السوق. فعلى مدى عقدين، كانت صناديق التقاعد وشركات التأمين البريطانية تُعد مشترياً مستقراً للسندات طويلة الأجل لتغطية التزاماتها المستقبلية، لكن تراجع أنظمة التقاعد التقليدية حدّ من هذا الطلب الثابت.

وبحسب نيكولا ترينداد، مدير المحافظ في شركة “بي إن بي باريبا لإدارة الأصول”، تمثل صناديق التحوط الأجنبية السواد الأعظم في السوق، وهذه الصناديق أكثر حساسية لتقلبات الأسعار وتميل إلى الاستثمار قصير الأجل، ما يزيد من التقلبات اليومية. كما يلقي البعض باللوم على برنامج المركزي البريطاني لبيع السندات، والبالغ حجمه 70 مليار جنيه إسترليني سنوياً، باعتباره عاملاً إضافياً يدفع العوائد إلى الأعلى.

تبدو أزمة السندات البريطانية انعكاساً لأزمة ثقة أوسع تشمل السياسة والاقتصاد والمالية العامة في آن واحد؛ فبينما قد تتراجع “علاوة المخاطر السياسية” مستقبلاً إذا استعادت الحكومة استقرارها، تبقى التحديات المرتبطة بالتضخم وضعف النمو وتقلبات السوق قائمة، ما يجعل بريطانيا تواجه واحدة من أكثر البيئات المالية هشاشة مقارنة بالنظراء.

وعليه، فإن استقرار القيادة السياسية سيكون عاملاً حاسماً في تهدئة الأسواق خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن المستثمرين الأجانب، الذين تحتاج إليهم بريطانيا لتمويل ديونها، يرغبون برؤية الأمور مستتبة على المدى البعيد داخل مقر الحكومة في داونينغ ستريت.