بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

“الإخوان المسلمون” في أوروبا: من جماعة مركزية إلى شبكة متناثرة.. انهيار الارتكاز ونهاية النموذج التنظيمي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شهدت جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا خلال الفترة الممتدة من عام 2025 إلى مطلع 2026، واحدة من أسرع حالات التراجع البنيوي التي عرفتها منذ انتقال ثقلها التنظيمي والمالي إلى القارة العجوز قبل عقود. لم يكن هذا التراجع وليد صدفة أو تضييقاً إدارياً، بل جاء نتيجة تحول جذري في “العقيدة الأمنية والسياسية” للدول الأوروبية تجاه تنظيمات الإسلام السياسي العابرة للحدود.

تتعرض “المنطقة الأكثر أماناً” في جغرافيا الإخوان لمراجعة شاملة وقاسية للمرة الأولى في تاريخ التنظيم، لم تكتفِ أوروبا بملاحقة الأفراد، بل  لاحقت أيضاً “الشبكات الرمادية” غير المباشرة التي كانت تعمل لعقود تحت غطاء المجتمع المدني والعمل الخيري والثقافي. 

هذا الانكشاف الاستراتيجي نقل الجماعة من موقع “الفاعل الصامت” الذي يستفيد من ثغرات القوانين الليبرالية، إلى “الملف الأمني المفتوح” الخاضع لرقابة دولية مُشددة، ما أفقدها قدرتها التاريخية على التعويض الجغرافي أو إعادة التموضع بين العواصم.

تدشين مسار التفكيك المنهجي للبُنى العميقة

شكل العام 2025 نقطة انطلاق حاسمة في مسار التراجع الأوروبي؛ إذ بدأت الحكومات الأوروبية (بقيادة فرنسا والنمسا وألمانيا) بتغيير مقاربتها التقليدية القائمة على “الاحتواء” إلى أخرى تحاكي “التفكيك المنهجي”. لم تعد الرقابة تقتصر على التصريحات السياسية أو الأنشطة الظاهرة، بل انتقلت لتفتيت البنى العميقة للتنظيم عبر ثلاث خطوات استراتيجية:

أولاً، تشديد الرقابة المالية على التمويلات الخارجية للمراكز الدينية، ما قطع شريان الحياة المالي الذي يربط التنظيم الدولي بفروعه الأوروبية.

ثانياً، إعادة تقييم شاملة للشراكات الحكومية مع مؤسسات المجتمع المدني التي ثبت ارتباطها الأيديولوجي بالتنظيم، ونزع الشرعية الرسمية عنها كمتحدث باسم الجاليات.

ثالثاً، نقل الصراع إلى الحقل الفكري عبر نقاشات برلمانية علنية حول “حدود النشاط الأيديولوجي” في الفضاء العام، ما أدى إلى تجريم أنماط “التغلغل الناعم” التي كانت الجماعة تبرع فيها.

من الرقابة إلى “الاحتواء السلبي”

مع حلول العام 2026، دخلت السياسات الأوروبية مرحلة أكثر تقدماً وصرامة يمكن وصفها بـ “الاحتواء السلبي”. لم يعد الهدف هو مراقبة الجماعة لمنع العنف فحسب، بل تجفيف بيئتها الحاضنة، وتقليص قدرتها على التأثير في الجيل الثاني والثالث من المهاجرين. 

تجلى ذلك في إغلاق أو تجميد أنشطة عشرات الجمعيات التعليمية والثقافية التي كانت تعمل كواجهات للتجنيد غير المباشر، كما فُرضت معايير تدقيق صارمة على المناهج والبرامج داخل المراكز الدينية لمنع تسلل أفكار أيديولوجية دخيلة. هذا التحول وضع الجماعة في بيئة قانونية واجتماعية طاردة، لا تسمح لها بإعادة إنتاج نفسها أو استعادة نفوذها حتى عبر الأدوات غير التقليدية التي كانت تعتمد عليها سابقاً للالتفاف على القوانين.

لم يكن الانكماش الأوروبي حدثاً معزولاً، بل جاء متزامناً مع “موجة حظر وتصنيف” دولية منسقة خلال العامين 2025 ومطلع 2026. في الشرق الأوسط، استقرت سياسات الحظر الصارمة في دول مثل مصر والسعودية والإمارات، بينما اتخذ الأردن في 2025 خطوات قانونية حاسمة لإنهاء أي وجود تنظيمي علني للجماعة، ما أغلق آخر بوابات الشرعية التقليدية في المنطقة. 

في يناير/كانون الثاني 2026، جاءت الخطوة الأمريكية الحاسمة بتصنيف فروع وكيانات مرتبطة بالتنظيم الدولي وفرض عقوبات مالية عليها، ما أضفى بُعداً دولياً على الضغوط. هذا التزامن بين الحظر القانوني في الشرق والتضييق التنظيمي في الغرب حرم الجماعة من أي “ملاذ بديل”، وعمّق عزلتها الدولية، محولاً إياها من “تنظيم عالمي” إلى “شتات ملاحق” قانونياً ومالياً.

سقوط “العاصمة غير المعلنة” ونهاية الاستثناء البريطاني

مثّلت بريطانيا “المركز العصبي” والقلب النابض للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين لقرابة نصف قرن، حيث وفرت ملاذاً قانونياً وإعلامياً آمناً للقيادات التاريخية. إلا أن التطورات الدراماتيكية في 2025 ومطلع العام الجاري، أظهرت تراجعاً غير مسبوق في هذا الدور؛ إذ تخلت لندن عملياً عن سياسة “غض الطرف”. لتنتقل النقاشات داخل المؤسسات السياسية البريطانية من دائرة “حرية التعبير” إلى دائرة “الأمن المجتمعي”، مع تزايد التدقيق في التمويلات الضخمة والروابط التنظيمية المعقدة. 

الأهم من ذلك، أن الجماعة خسرت وظيفتها كـ “وسيط سياسي” مع العالم الإسلامي لدى الخارجية البريطانية، ما أفقدها أهم أوراق قوتها ونفوذها الدولي، وحول قياداتها في لندن إلى شخصيات معزولة تواجه مخاطر الترحيل أو التجميد المالي.

شهدت الجاليات المسلمة في أوروبا تحولاً اجتماعياً وفكرياً ملحوظاً خلال هذه الفترة؛ إذ بدأت قطاعات شبابية وطلابية متزايدة بـ “النأي بالنفس” عن التنظيمات الأيديولوجية المسيسة. 

هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن الارتباط بشبكات الإخوان لم يعد يحمل كلفة سياسية فحسب، بل “اجتماعية وقانونية” باهظة أيضاً، تهدد مستقبل الاندماج والمواطنة في المجتمعات الغربية. وأدى هذا التراجع في القاعدة الشعبية والدينية التي كانت الجماعة تعتمد عليها للحشد والضغط السياسي إلى جفاف “خزان التجنيد”، وترك الجماعة في مواجهة الدولة من دون درع اجتماعي يحميها.

التحول إلى “النموذج الشبكي المقطوع”

أدت الإجراءات الأوروبية والدولية المتلاحقة إلى تفكيك “الأخطبوط المالي” للتنظيم؛ حيث أصبحت القنوات التمويلية التقليدية والعملات الرقمية التي حاولت الجماعة استخدامها خاضعة لرقابة استخباراتية مشددة. هذا الاستهداف للشبكات “الوسيطة” أدى وظيفياً إلى “عزل الفروع” عن بعضها البعض. ونتيجة لذلك، انتقلت الجماعة قسراً من نموذج “التنظيم الهرمي المركزي” الذي يمتلك وحدة قرار، إلى نموذج “الشبكة المتناثرة والمقطوعة” التي تفتقر للتنسيق والقيادة الفعالة. 

هذا الواقع سرّع من حدة الانقسامات الداخلية بين ما يسمى “جبهة لندن” و”جبهة إسطنبول”، وحوّل الجماعة إلى “جزر معزولة” يصارع كل منها للبقاء الفردي من دون استراتيجية كبرى.

على الرغم من محاولات جماعة الإخوان المسلمين المكثفة الانتقال إلى “الفضاء الرقمي” كبديل عن العمل الميداني المحاصر، أصبحت هذه المساحة في 2026 خاضعة لرقابة خوارزمية وأمنية غير مسبوقة. ولم تعد المنصات الرقمية قادرة على توفير غطاء سري للعمل التنظيمي، بل تحوّلت إلى وسيلة لرصد الأنشطة وتتبع التمويلات. ليحد هذا التضييق الرقمي من فعالية “الجيوش الإلكترونية” الإخوانية، ويفقدها القدرة على التعبئة الجماهيرية أو تزييف الوعي الجمعي، ما أغلق آخر المنافذ التي كانت الجماعة تراهن عليها لإبقاء فكرتها حية.

أوروبا كعنوان لسقوط “المشروع”

تكشف تجربة عام 2025 وما بعدها، في أوروبا أن ما حدث لم يكن مجرد أزمة عابرة أو “محنة” كما يحلو لأدبيات الجماعة تسميتها، إنما كان انهياراً تاريخياً لواحدة من أهم ركائز التنظيم الدولي. وبسقوط الملاذ الأوروبي، فقدت الجماعة قدرتها على المناورة بين الشرق والغرب، وانتهى “النموذج التنظيمي التقليدي” الذي صمد لقرن من الزمان. 

المشهد اليوم في أوروبا يؤكد أن التنظيم لم يعد قادراً على الاستمرار ككيان عابر للحدود في عالم يعيد صياغة العلاقة بين الدولة الوطنية والأيديولوجيا، لتتحوّل الجماعة من “مشروع عالمي” إلى “بقايا تنظيمية” تبحث عن مكان في زوايا التاريخ المهملة.