مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

على غرار بيان “ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين”.. جبهة “لندن” تتخلى عن شباب الجماعة بعد توريطهم في عمليات العنف المُسلح بمصر

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

تعيد الانقسامات الراهنة داخل جماعة الإخوان المسلمين، وتحديداً “جبهة لندن” بقيادة صلاح عبد الحق، إنتاج واحدة من أكثر أدوات التنظيم إثارة للجدل، وهي التبرؤ العلني من العناصر التي مارست العنف. فمنذ بيان المؤسس الأول حسن البنا “ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين”، وصولاً إلى تنصل جبهة صلاح عبد الحق من حركة “حسم”، يبرز نمط متكرر يعتمد على “الإنكار الوظيفي”؛ حيث يتم استخدام الشباب كأدوات في لحظات التأزيم، ثم التضحية بهم كحركات انفصلت عن النهج بمجرد اصطدامهم بجدار الدولة وأجهزتها الأمنية.

أثار البيان الرسمي الصادر عن جبهة صلاح عبد الحق، المعروفة بـ “جبهة لندن” داخل جماعة الإخوان المسلمين، موجة سخط داخل القواعد التنظيمية، وذلك عقب تنصله من مجموعات العنف المسلح التي نشأت بعد سقوط حكم الجماعة في يونيو 2013، في أعقاب اعترافات أدلى بها على عبد الونيس، العضو في حركة “حسم”.

قالت الجبهة: “من هنا نُؤكد أن اتهام أجهزة السلطة وآلتها الإعلامية لجماعة الإخوان بتغيير نهجها الإصلاحي السلمي إلى العنف، أو ربطها بأفراد أو حركات انفصلت عنها، أو الادعاء بوجود ذراع عسكري لها، كلُّ ذلك محض كذب وافتراء لا يقوم على دليل ولا يسنده برهان”. دفع ذلك جبهة “المكتب العام”، أو “تيار التغيير”، التي يتزعمها يحيى موسى ورضا فهمي ومحمد إلهامي، وتشرف على مشروع حركة ميدان، إلى مهاجمة قيادات لندن، في بيان وصفهم بالمُتخاذلين، والمُتنصلين من المسؤولية.

“جبهة لندن” تتبرأ وقيادات الإخوان تنفي الصلة

فكرة تنصل “قيادات لندن” من جرائم العنف التي وقعت على مدار العشر سنوات الأخيرة، واعتبار أن فاعليها منشقين عن الجماعة ولا يمثلون توجهاتها، يعد استمراراً لمتلازمة ممتدة عبر تاريخهم الحركي والتنظيمي، فلم تكن عبارات “التبرأة” التي أطلقها القائم بأعمال مرشد الجماعة، إبراهيم منير (قبل وفاته)، من المبادرات، والدعوات التي طرحها شباب الإخوان للتصالح مع النظام السياسي المصري بهدف الحصول على العفو الرئاسي والخروج من جدران السجون، سوى نهج متبع منذ المؤسس الأول حسن البنا.

كان إبراهيم منير قد صرّح، عبر قناة الجزيرة القطرية في أكتوبر 2019، رداً على شباب الإخوان المسلمين: “نحن لم ندخلهم السجن، ولم نجبرهم على الانضمام إلى الجماعة، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل”. كما أنكر محمود حسين، علاقة الجماعة بكل من حركة “حسم”، وحركة “لواء الثورة”، وفق ما صرح به في حوار لشبكة “بي بي سي” في ديسمبر 2018، كنوع من التضليل وخداع الرأي العام وتبديل الحقائق.

اغتيال الخازندار

ربما كانت البداية الحقيقية لمنهج البنا في مسلسل غسل سمعته والتضحية برجاله، عقب اغتيال حسن عبد الحافظ ومحمود زينهم القاضي أحمد الخازندار، في 22 مارس 1948، وقيدت القضية آنذاك برقم (604 / 1948) جنايات حلوان.

ووفقاً لما ذكره رئيس التنظيم الخاص، عبد الرحمن السندي، فإن حسن البنا، قال في اجتماع مغلق لأعضاء التنظيم الخاص “ربنا يريحنا من الخازندار وأمثاله”، وهو ما كان بمثابة “الضوء الأخضر” لاغتياله. وأمام النيابة اعترف الجناة بانتمائهم للإخوان، بينما أنكر مؤسس التنظيم معرفته بالمتهمين، لكن النيابة تمكنت من إثبات أن المتهم الأول حسن عبد الحافظ كان السكرتير الخاص لمرشد الإخوان.

اغتيال النقراشي

في الثامن من ديسمبر 1948، أصدر رئيس الحكومة المصرية محمود فهمي النقراشي باشا، القرار رقم (63) بصفته الحاكم العسكري للبلاد، والذي ينص على حل جماعة الإخوان المسلمين وجميع شعبها، بتهمة “التحريض والعمل ضد أمن الدولة”.

عشرون يوماً كانت هي المسافة الفاصلة بين القرار الأول لحل الجماعة، وعملية اغتيال النقراشي باشا، في 28 ديسمبر 1948، على يد الإخواني عبد المجيد أحمد حسن، الطالب بكلية الطب البيطري، الذي كان مرتدياً زي ضابط أدى التحية للنقراشي، وأطلق عليه ثلاث رصاصات سقط على إثرها صريعاً. ومن باب التضليل أصدر البنا، بياناً عقب الحدث بعنوان “هذا بيان للناس”، أثنى فيه على “النقراشي”، واستنكر اغتياله وتبرأ من قاتليه، لتهدئة الرأي العام ضد الجماعة.

بعد أيام قليلة، فجر النظام الخاص محكمة الاستئناف بمنطقة باب الخلق في وسط القاهرة، في 16 يناير 1949، ليصدر البنا بعدها بيانه الشهير بعنوان: “ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين”، لتبرأة الإخوان من الحادث الإجرامي.

في هذا السياق، يشير الدكتور عبد الفتاح عساكر في أحد مقالاته قائلاً: “قال لي أحد كبار الإخوان، كان الشيخ البنا ضيفاً عندنا في حلوانا، وعندما علمت بحادث قتل النقراشي دخلت عليه وهمست في أذنه “النقراشي باشا قُتل” فرد علي همساً أيضاً “مسكوا الوله” بلهجة العوام، يقصد هل قبضت الشرطة على الولد الفاعل”.

ويؤكد عساكر أيضاً حقيقة تورط جماعة الإخوان في عملية اغتيال النقراشي باشا، أحمد عادل كمال، عضو النظام الخاص، وأحد المتورطين في قضية السيارة الجيب، في 15 نوفمبر 1948. في كتابه “النقط فوق الحروف.. الإخوان المسلمون والنظام الخاص”، أصدر النقراشي أمراً عسكرياً بحل جماعة الإخوان ولم تنقض ثلاثة أسابيع حتى سقط قتيلاً في عرينه بوزارة الداخلية برصاص الإخوان.

معالم سيد قطب

على خطى البنا، سار المرشد الثاني، حسن الهضيبي، عقب إلقاء القبض على قيادات تنظيم 65، والذي أنكر فيه معرفته بنشاط أفراد بالتنظيم وتحركات سيد قطب. فوفقاً لما أشار إليه على عشماوي -أحد قيادات  النظام الخاص- في مذكراته أن “الهضيبي” كان على علم بنشاط تنظيم 65 عن طريق زينب الغزالي.

وفي 18 إبريل 1974 شهدت الكلية الفنية العسكرية بالقاهرة، هجوماً مسلحاً، أسفر عن مقتل 17 شخصاً وإصابة 65 آخرين، نفذه “صالح سرية”. وقد كشف الدكتور أحمد الرَّجَّال، أحد قيادات تنظيم “الفنية العسكرية”، عن دور جماعة الإخوان في تشكيل التنظيم، والتخطيط للقيام بانقلاب عسكري على الرئيس الراحل محمد أنور السادات، من خلال السيطرة على أسلحة الكلية الفنية العسكرية، والهجوم على قصر الرئاسة.

ازدواجية التحريض والإنكار

كشف طلال الأنصاري في مذكراته “صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الإسلامية”، أن تنظيم “الفنية العسكرية” كان في الأساس ضمن مخطط لجماعة الإخوان في محاولة تقويض نظام الرئيس السادات، ولكن بطريقة مختلفة. ففي حال نجاح انقلاب صالح سرية، يتبناه الإخوان ويسيطروا على الحكم، وفي حال فشل المحاولة تنكرها الجماعة، وتعتبرها محاولة فاشلة من شباب مُتحمس غير مسؤول.

بيان “جبهة لندن” ليس سوى حلقة جديدة قديمة من إعادة إنتاج الخطاب الإخواني القائم على الازدواجية بين التحريض والإنكار، وبين إدارة العنف والتنصّل منه. ومنذ اغتيال الخازندار والنقراشي، مروراً بتنظيم 65 وأفكار سيد قطب، وصولاً إلى محاولات الانقلاب والعمل المسلح في السبعينيات، فضلاً عن أن الأزمة الراهنة داخل الجماعة بين جبهة “لندن” و”تيار التغيير”، لا يعكس البيان خلافًا فكرياً بقدر ما يعكس صراعاً على إدارة الإرث المالي والتنظيمي.

الاتجاه القادم يشير إلى أن “متلازمة الإنكار” ستقود إلى انهيار تام في مفهوم “السمع والطاعة” داخل الجماعة. لم يعد بإمكان القيادة السيطرة على السردية التاريخية في عصر الانفتاح المعلوماتي؛ حيث أصبحت وثائق التنظيم الخاص ومذكرات القادة السابقين متاحة لتكشف كذب بيانات التبرؤ. من المرجح أن يؤدي هذا السلوك إلى تحول “التيار القطبي” والتغييري إلى كيانات مستقلة تماماً عن مركزية الجماعة، مما ينهي عهد “التنظيم الموحد” ويحوله إلى شظايا متناحرة، تخوض صراعاتها فوق أنقاض مشروع سياسي بدأ وانتهى ببيانات تبرؤ من “أبنائه”.