تناولنا في الحلقة السابقة، وثائق “لجنة المناهج التربوية” التابعة للتنظيم الدولي لـ”جماعة الإخوان”، والمعنية بهندسة العقلية النسائية داخل الجماعة وفق خطاب قطبي، لا سيما أن قيادات التنظيم استثمرت قسم “الأخوات” بما يحقق لها التغلغل داخل الطبقات المجتمعية المصرية والعربية.
تربى شباب “الإخوان” وقياداتهم على أن الترابط الاجتماعي (المصاهرة والنسب) فيما بينهم يوثّق ويقوّي بقاء الفكرة، ويحمي الجماعة من التفكك والاختراق الأمني، فاتجهت غالبيتهم لاختيار شريكة الحياة من بين فتيات التنظيم النسائي، كونهن الأكثر قرباً فكرياً وسلوكياً؛ ما أسهم في صناعة حالة من التشابك التنظيمي داخل الجماعة.
فرقة “الأخوات”
في بداية الثلاثينيات، وتحديداً في 26 أبريل 1932، بعد نحو أربعة أعوام على تأسيس “جماعة الإخوان”، قرر المؤسس حسن البنا أن يشكل فرقة “الأخوات المسلمات” من بنات وفتيات أبناء قيادات الجماعة، واختار سيدة تُدعى “لبيبة أحمد” رئيسة، وهي زوجة القاضي عثمان مرتضى باشا.
وفي أبريل 1944، شكل حسن البنا أول لجنة تنفيذية لـ”فرقة الأخوات” بعد أن توقفت عدة سنوات، واتخذ من المبنى رقم 17 في شارع سنجر الخازن بالحلمية الجديدة مقراً لها. تكوّنت اللجنة من 12 عضوة، أبرزهن: آمال عشماوي، زوجة الإخواني الأرستقراطي منير الدلة، وفاطمة عبد الهادي، زوجة القيادي الإخواني محمد يوسف هواش، وأمينة علي، زوجة الشيخ محمود الجوهري عضو الهيئة التأسيسية لـ”جماعة الإخوان”، وزينب عبد المجيد، زوجة الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي أحد الدعاة الـ23 في وزارة الأوقاف في مصر حينها، وزهرة السنانيري، أخت كمال السنانيري عضو مكتب الإرشاد وأبرز قادة الجماعة.
أسند البنا مهمة الإشراف على عمل الأخوات إلى المرشد العام، مع أحقيته في اختيار رئيس تنفيذي أو سكرتير ينوب عنه في مباشرة المهام، فوقع اختياره على محمود الجوهري كأول رئيس لقسم “الأخوات” في الجماعة.
تنامى دور قسم الأخوات في مرحلة الأربعينيات، إذ شاركت المرأة الإخوانية في أعمال احتجاج عامة على قرار حل التنظيم ومصادرة ممتلكاته، وذلك بعد تورط “النظام الخاص” في أعمال العنف المسلح، ومنها اغتيال القاضي أحمد الخازندار في 22 مارس 1948، واغتيال رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي باشا في 28 ديسمبر 1948، وتفجير محكمة استئناف القاهرة في 13 يناير 1949.
“أيام من حياتي”
في أعقاب ثورة يوليو 1952، لعبت زينب الغزالي دوراً محورياً في تنامي دور قسم “الأخوات”، والتي أشارت في مبايعتها لحسن البنا قبل مقتله بفترة قصيرة في 1949 إلى “أنها مجرد جارية”، بحسب ما ذكرته في كتابها “أيام من حياتي”، وقد شاركت كذلك في تأسيس خلايا “تنظيم 65” بقيادة سيد قطب.
مع مطلع السبعينيات وموجة الإفراج عن قيادات الإخوان، أدركت الجماعة أهمية الدور النسائي في خدمة أهداف التنظيم ومخططاته، فتمت إعادة ترتيب قسم “الأخوات”، ووُضعت لائحة جديدة له في العام 1984، بهدف التوسع في أعماله ومهامه، وزيادة عدد لجانه الداخلية، التي تنوعت ما بين لجنة “الزهروات” ولجنة “الفتيات” ولجنة “الطالبات”، انتهاءً بلجنة “ربات البيوت”، ولجنة “الدعوة الفردية”، لا سيما مع تشكيل “التنظيم الدولي للإخوان” في العام 1982 على يد “مصطفى مشهور”، المرشد الخامس للجماعة.
ومن قبيل إحكام السيطرة الفكرية عليهن، وضعت قيادات الجماعة منهجاً فكرياً عمّمته على مختلف فروع التنظيم في الداخل والخارج، تضمن عدداً كبيراً من كتب منظريها وقياداتها، من أبرزها: “معالم في الطريق” لسيد قطب، و”معركة التقاليد” لشقيقه محمد قطب، و”رسالة الجهاد” لحسن البنا، و”حتمية الحل الإسلامي” ليوسف القرضاوي، و”دور المرأة المسلمة” لجمعة أمين، و”في رياض الجنة” لجاسم عبد الرحمن.
مرحلة التسعينيات
في بداية مرحلة التسعينيات، لعب “قسم الأخوات” دوراً فاعلاً في المساجد والمدارس والجامعات والنقابات المهنية، وقد أشرف على تلك المرحلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب، بمساعدة مجموعة من زوجات قيادات الإخوان وبناتهن، أمثال وفاء مشهور، ومكارم الديري.
وفي العام 1994، في محاولة من الجماعة لتجميل وجهها والردّ على الانتقادات التي وجهت إليها بانتقاص حقوق المرأة، أصدرت وثيقة “المرأة المسلمة في المجتمع المسلم”، التي منحت نساءها حق المشاركة السياسية، بما تقتضيه مصلحة الجماعة والتنظيم.
عاشت المرأة – وما زالت – على الهامش في كل التنظيمات الأصولية، لكن عقب أحداث يناير 2011، أصبح “تنظيم الأخوات” بمثابة كيان موازٍ داخل “جماعة الإخوان”، ومن ثم حاولن التمرد على الأوضاع القائمة التي تقلل من قدرهن ومكانتهن، مطالبات بجملة من التغييرات الجذرية، وزيادة فاعليتهن داخل الهرم التنظيمي، وأحقية تمثيلهن في مكتب الإرشاد، ومكتب الشورى العام، والمكاتب الإدارية.
حاولت قيادات “الإخوان” مواجهة موجات التمرد التي انتشرت بين “قسم الأخوات” من خلال دورات تأهيلية تحت مسمى “تصحيح الرؤية”، لامتصاص حماستهن وعرقلة مساعي الانشقاق.
في بداية العام 2012، أعلنت لمياء خالد قريطم، إحدى قياديات “تنظيم الأخوات” في البحيرة، استقالتها بعدما ظلت بين جدران المكوّن الإخواني 23 عاماً، احتجاجاً على تهميش الأخوات وعدم تمثيلهن تمثيلاً لائقاً داخل مؤسسات الجماعة.
انشقاق الأخوات
ربما أرّقت أزمة “الأخوات المنشقات” قيادات الجماعة، في ظل فضحهن الكثير من خبايا الكيان النسائي المغلق؛ فترجمت انتصار عبد المنعم تلك الحالة في كتابها “حكايتي مع الإخوان.. مذكرات أخت سابقة” (الهيئة المصرية العامة للكتاب العام 2011)، بعدما وصفته بالتناقض والتخبط، وأنه لا يمثل سوى وعاء لكبت الحريات، متذكرة: “كنت وغيري قد صدقنا بالفعل أننا نعمل لخدمة الإسلام، فلم يكن من السهل أن نتخيل أننا نعمل من أجل أفراد يريدون الوصول إلى الحكم سريعاً، كنا نتحرك كالقطيع أو كالمخدرين، ننفذ ما يمليه الرجال علينا”.
لم تكن هذه هي الشهادة الوحيدة، فالكاتبة ناهد إمام سجلت شهادتها أيضاً في كتاب حمل عنوان “صندوقي الأسود”، حذرت فيه من حالة “العزلة الشعورية” التي تعاني منها المرأة داخل الجماعة، واعتبرت أن “التعافي من الإساءات الروحية والعاطفية التي تتعرض لها المرأة الإخوانية ليس بالأمر الهين”.
تعديلات متأخرة لاحتواء الغضب النسائي
في المنهجية ذاتها، أبدت عزة عفيفي، زوجة القيادي السابق سامح عيد، ندمها على سنوات عمرها التي وضعتها بين أيديهم، لتستيقظ على واقع مرير تجلت فيه الأكاذيب والخيانة، لتلحق بقطار التمرد على مقاليد السمع والطاعة العمياء، مشيرة إلى إيمانهن المطلق بتكفير أدباء مصر ومفكّريها أمثال طه حسين والعقاد وغيرهما.
اضطرت الجماعة في النهاية إلى إحداث تغييرات في اللائحة الداخلية لقسم “الأخوات” نهاية العام 2012، تتيح زيادة تمثيلهن في الهيكل التنظيمي عند حدود ما يعرف بـ”مكتب إداري المحافظة”، ويمثلهن فيه أحد الرجال كحلقة وصل بينهن وبين قيادة الجماعة في نقل وجهات النظر، بعدما كنّ في عزلة كاملة عن الهيكل الإداري.
لم يكن “تنظيم الأخوات” يوماً مجرّد ذراع اجتماعية أو دعوية داخل “جماعة الإخوان”، بل أداة فاعلة في إدارة الصراع مع الدولة، من خلال دوائر الحشد الإعلامي، وشبكات الدعم اللوجستي والمالي، وإعادة إنتاج خطاب المظلومية الذي مثّل الغطاء الأيديولوجي لشرعنة العنف.















