دخلت العلاقة بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة والتيارات الإسلامية المتحالفة معه مرحلة غير مسبوقة من التوتر العلني، بعدما تحوّل الخلاف المكتوم إلى مواجهة سياسية مفتوحة تهدد التحالفات التي حكمت الغرب الليبي خلال السنوات الماضية.
جاءت تصريحات الدبيبة خلال اجتماع حكومي في منطقة قصر الأخيار شرقي طرابلس، حيث هاجم تنظيم “الإخوان” واصفاً عناصره بـ”الانتهازيين”، مؤكداً أنه لن يسمح بعودتهم إلى المشهد السياسي مجدداً.
ولم يكتفِ رئيس الحكومة بالهجوم السياسي، بل تحدث عن “كواليس الغرف المظلمة”، متهماً أطرافاً إسلامية بمحاولة استغلال وعكته الصحية الأخيرة والتواصل مع جهات خارجية لترتيب بدائل سياسية محتملة لخلافته.
غضب داخل معسكر طرابلس
جاء ردّ المفتي المعزول الصادق الغرياني سريعاً عبر برنامجه “الإسلام والحياة” على قناة “التناصح”، حيث طالب الدبيبة بالاعتذار، محذراً إياه من خسارة “حلفائه الحقيقيين” داخل طرابلس.
وحاول الغرياني احتواء الأزمة عبر القول إن المقصود بحديث الدبيبة ليس “جماعة الإخوان المسلمين” نفسها، بل شخصيات مرتبطة بحزب “الديمقراطي” بقيادة محمد صوان، الذي انشق سابقاً عن الجماعة واتجه نحو مقاربات أكثر انفتاحاً على معسكر الشرق الليبي.
إن محاولة الغرياني إعادة تفسير تصريحات الدبيبة تعكس قلقاً واسعاً داخل التيارات الإسلامية من احتمال حدوث تحول فعلي في تموضع رئيس الحكومة، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن تفاهمات إقليمية ودولية لإعادة تشكيل السلطة في ليبيا.
كما أن استخدام الدبيبة مصطلح “الإخوان” لا يقتصر بالضرورة على التنظيم التقليدي، بل يشمل في الخطاب السياسي الليبي طيفاً أوسع من تيارات الإسلام السياسي المتحالفة مع الغرياني داخل غرب ليبيا.
إعادة تموضع
تأتي تصريحات الدبيبة في سياق أوسع من إعادة التموضع السياسي، مع فتح قنوات تواصل بين أطراف في الغرب الليبي ومعسكر الشرق، وسط ضغوط دولية متزايدة لإعادة إطلاق مسار التسوية وإنهاء المراحل الانتقالية الطويلة.
وتشير قراءات سياسية إلى أن الدبيبة يحاول تقديم نفسه بوصفه طرفاً قادراً على الانخراط في تسوية جديدة، لا مجرد رئيس حكومة يستند إلى توازنات الميليشيات والتيارات الإسلامية داخل طرابلس.
في نفس السياق، لم تتوقف مؤشرات التحول عند حدود الخطاب السياسي، إذ قام الدبيبة منذ مطلع 2026 بتسليم عدد من العناصر المتطرفة إلى جهات قضائية دولية بينها المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة اعتبرتها تيارات إسلامية “انقلاباً” على تفاهمات غير معلنة حكمت العلاقة بين السلطة في طرابلس والجماعات المتشددة لسنوات.
وبات الدبيبة يدفع ثمن إدارة السلطة عبر تحالفات متناقضة، بعدما اعتمد لسنوات على توازنات هشة بين تيارات سياسية ودينية ومسلحة، قبل أن ينقلب جزء من هذه التوازنات إلى مصدر ضغط مباشر عليه.
مرحلة جديدة
تعاني ليبيا من انقسام سياسي حاد منذ عام 2014، حين تراجع نفوذ الإسلاميين داخل البرلمان المنتخب، ودخلت البلاد لاحقاً في صراع مفتوح بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب.
ورغم تعدد المبادرات والاتفاقات الدولية، بقيت ليبيا عالقة بين حكومات متنازعة ومعسكرات مسلحة وتحالفات متقلبة، فيما ظلت طرابلس مركزاً لتوازنات معقدة بين السلطة السياسية والجماعات المسلحة والتيارات الإسلامية.
إن الأزمة الحالية بين الدبيبة والتيارات الإسلامية قد تمثل بداية تفكك فعلي للتحالفات التي حكمت طرابلس منذ سقوط نظام معمر القذافي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعيد رسم الخريطة السياسية في الغرب الليبي بالكامل.















