ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

مقالات مشابهة

استراتيجية ترامب (5-5)

واشنطن تعيد رسم دورها في القارة السمراء: التركيز على مكافحة الإرهاب ومحاربة الجماعات الجهادية وحماية الأقليات الدينية

ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

تطرح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رؤية جديدة لمكافحة الإرهاب في أفريقيا تقوم على تقليص الوجود العسكري الأمريكي المباشر، مقابل توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي مع الحكومات المحلية لمواجهة تصاعد نفوذ الجماعات الجهادية. تأتي هذه المقاربة في سياق إعادة تقييم شاملة للوجود الأمريكي العالمي، بعد ما تعتبره الإدارة “نهاية مرحلة التدخلات الطويلة” وبداية نهج أكثر انتقائية في إدارة التهديدات العابرة للحدود.

من خلال التركيز على مناطق الساحل والقرن الأفريقي، تسعى الإدارة إلى تطويق إرث “خلافة داعش” المنهار في الشرق الأوسط، ومنع استنساخه في بيئات أفريقية هشة، معتمدةً على أدوات الضغط المالي والاستخباراتي كبديل للتدخل المباشر. 

وتعتبر واشنطن أن القارة أصبحت الساحة الأبرز لتمدد تنظيمي “داعش” و”القاعدة” بعد تراجع نفوذهما في الشرق الأوسط، خصوصاً في مناطق الساحل وغرب أفريقيا والقرن الأفريقي. كما تركز الاستراتيجية على حماية الأقليات الدينية، لا سيما المسيحيين، ضمن مقاربة أمنية جديدة تعتمد على “الشراكة المحدودة” بدلاً من التدخلات العسكرية واسعة النطاق.

من “خلافة داعش” إلى ساحة أفريقية مفتوحة

تشير وثيقة “استراتيجية مكافحة الإرهاب 2026″، الصادرة عن البيت الأبيض، إلى أن القضاء على ما يسمى بـ “خلافة داعش” في العراق وسوريا خلال الولاية الأولى لترامب أدى إلى تحول مركز ثقل التنظيمات المتطرفة نحو أفريقيا وآسيا الوسطى.

وتعتبر واشنطن أن هذا التحول استغل ضعف بعض الحكومات المحلية، خصوصاً في مناطق مثل غرب أفريقيا، والساحل، وحوض بحيرة تشاد، وموزمبيق، والسودان، والصومال، حيث تنشط فروع من “داعش” و”القاعدة”، إضافة إلى جماعات محلية مثل حركة “الشباب” التي تواصل تمردها المسلح في القرن الأفريقي.

كما ترى الإدارة الأمريكية أن هذه البيئات الهشة تحولت إلى ملاذات آمنة لتخطيط عمليات تهدد الأمن الإقليمي والدولي.

منع التهديدات وحماية الأقليات

تحدد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب 2026 في أفريقيا هدفين رئيسيين: أولاً، منع أي جماعة جهادية من إنشاء قواعد عمليات قادرة على شن هجمات خارج القارة، سواء ضد الولايات المتحدة أو مصالحها الدولية. ثانياً، حماية الأقليات الدينية، وعلى رأسها المسيحيون، الذين تشير الوثيقة إلى أنهم تعرضوا لهجمات متكررة في بعض مناطق النزاع.

وتؤكد واشنطن أن هذا التوجه لا يندرج ضمن سياسات “إعادة بناء الدول” أو التدخل المباشر، بل ضمن مقاربة أمنية محدودة تستهدف التهديدات المباشرة فقط.

تتبنى الإدارة الأمريكية نهجاً يقوم على تقليص الانتشار العسكري المباشر في أفريقيا، مقابل تعزيز التعاون الاستخباراتي والتدريب الأمني مع الدول الشريكة. وتشير الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة ستعمل على إعادة بناء شراكات ثنائية في مجال مكافحة الإرهاب مع الحكومات الأفريقية، مع التركيز على تبادل المعلومات الاستخباراتية وتطوير قدرات القوات المحلية. في المقابل، تطالب واشنطن الحكومات الأفريقية بتحمل “نصيب أكبر من عبء الأمن”، والتعامل السريع مع التهديدات قبل توسعها.

استهداف الشبكات العابرة للقارات

تؤكد الاستراتيجية أن الولايات المتحدة ستواصل استخدام أدواتها الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية لتصنيف واستهداف الشبكات الإرهابية العاملة في أفريقيا. وتشمل هذه الأدوات، بحسب الوثيقة، مراقبة التمويل، وفرض العقوبات، واستهداف البنية اللوجستية للجماعات المتطرفة، بما في ذلك فروع مرتبطة بـ “الإخوان المسلمين”  في عدد من الدول الأفريقية. كما تشير الإدارة إلى أهمية الربط بين الأمن والتنمية الاقتصادية، مستشهدة باتفاقات إقليمية ترى فيها نموذجاً لإثبات أن “الاستقرار شرط أساسي للازدهار”.

كما تركز الاستراتيجية بشكل خاص على مناطق تشهد تصاعداً في العنف الطائفي والهجمات المسلحة، مثل نيجيريا والسودان، حيث تعتبر واشنطن أن الجماعات المتطرفة تستغل الفراغ الأمني لتنفيذ عمليات ضد المدنيين.

وتؤكد الوثيقة أن الإدارة الأمريكية ستتخذ “إجراءات حاسمة” ضد مرتكبي الهجمات على الأقليات، مع اعتبار حماية المسيحيين في بعض المناطق أولوية سياسية وأمنية معلنة.

رؤية جديدة للانخراط الأمريكي في أفريقيا

تعكس المقاربة الأمريكية الجديدة تحولاً من التدخل العسكري واسع النطاق إلى نموذج “الشراكة المحدودة”، الذي يركز على: دعم استخباراتي مباشر للحكومات المحلية، تدريب قوات مكافحة الإرهاب، استهداف الشبكات الإرهابية العابرة للحدود، بالإضافة إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي طويل الأمد

وترى واشنطن أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة الحكومات الأفريقية على فرض سيادتها الأمنية ومنع تحول أراضيها إلى ملاذات آمنة للجماعات المتطرفة.

تكشف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب في أفريقيا عن تحول واضح في “فلسفة واشنطن الأمنية”، يقوم على تقليص التدخل المباشر مقابل توسيع الشراكات مع الدول الأفريقية في مواجهة الجماعات الجهادية.

وبينما تقدم الإدارة الأمريكية هذه السياسة باعتبارها أكثر واقعية وفعالية، فإن نجاحها سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الحكومات المحلية على تعزيز سيطرتها الأمنية، وباستمرار التوازن بين مكافحة الإرهاب وتفادي الانزلاق إلى نزاعات أوسع في قارة تعاني بالفعل من تحديات أمنية وتنموية معقدة.