في بلد أنهكته الانقلابات والحرب والعزلة الإقليمية، يعود اسم المعارض المالي عمر ماريكو إلى الواجهة، لا بوصفه سياسيًا تقليديًا، بل طبيبًا قد تحتاجه دولة تنزف من أكثر من جبهة، بينما يظل الإمام محمود ديكو، صاحب الشعبية الواسعة، المرجعية المعارضة الأكثر قدرة على تحريك الشارع ومنح أي انتقال سياسي غطاءً اجتماعيًا ودينيًا.
تأتي عودة ماريكو إلى النقاش السياسي في لحظة حرجة، بعد هجمات واسعة استهدفت مواقع حساسة في مالي، بينها باماكو، وكاتي، وكيدال وسيغو/سيفاري، قالت روسيا إنها كانت محاولة انقلابية شاركت في صدها قوات “الفيلق الإفريقي”، وريث مجموعة فاغنر، بينما تحدثت تقارير عن خسائر روسية ومالية وانسحابات من كيدال، ما عكس حدود الرهان الأمني على موسكو.
العنف يفرض السياسة
تقول منظمات حقوقية وبيانات تتبع النزاعات إن المدنيين دفعوا الكلفة الأكبر. فقد أظهرت بيانات نقلتها “هيومن رايتس ووتش” و”أكليد” أن القوات الحكومية وحلفاءها، بمن فيهم فاغنر و”الفيلق الإفريقي”، قتلوا 918 مدنيًا في مالي عام 2025، مقابل 232 قتلوا على يد الجماعات الجهادية، في مؤشر خطير على أن مكافحة التمرد تحولت في مناطق واسعة إلى عامل إضافي لتغذية العنف لا كبحه.
تعزز هذه الأرقام قناعة متزايدة لدى مراقبين بأن الأزمة لم تعد قابلة للحل عبر القوة وحدها. فمالي التي طردت القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة، ثم رهنت أمنها بالشراكة الروسية، لم تحصل على الاستقرار الموعود، بل وجدت نفسها أمام جبهات مفتوحة، ونقمة مدنية، وتراجع في قدرة الدولة على حماية الطرق والمدن والمعسكرات.
فشل الرهان الروسي وتحالف الساحل
كان المجلس العسكري في باماكو قد قدم تحالفه مع روسيا كبديل سيادي عن فرنسا والأمم المتحدة، لكن الوقائع الميدانية أضعفت هذا السرد. فقد قالت فرنسا إن تحوّل مالي نحو روسيا والجماعات المرتبطة بها في المجال الأمني أثبت فشله، بينما كشفت تقارير أخرى أن العمليات الروسية في مالي أثارت توترات داخل الجيش والحكومة وتسببت في ثغرات أمنية.
ولم يكن “تحالف دول الساحل” بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو أكثر قدرة على فك العزلة. فقد انسحبت الدول الثلاث من “إكواس”، ووضعت ترتيباتها الخاصة وجوازات سفرها، وأعلنت قوة مشتركة قوامها 5 آلاف جندي، لكن ذلك لم يمنع تمدد العنف أو تزايد العزلة الدبلوماسية والاقتصادية.
أما “إكواس”، التي قبلت رسميًا بخروج الدول الثلاث مع إبقاء قنوات التجارة والدبلوماسية مفتوحة، فتسعى إلى منع انهيار كامل للنظام الإقليمي، وإبقاء باب العودة إلى الحكم المدني والتعددية مفتوحًا، في وقت تنظر فيه عواصم غربية بقلق إلى نتائج التحالفات العسكرية الجديدة مع موسكو.
ماريكو وديكو.. معارضة بوجهين
في هذا الفراغ، يبرز ماريكو، الطبيب والسياسي اليساري المخضرم، كاسم قادر على مخاطبة قوى متباعدة. فهو أحد وجوه انتفاضة 1991 ضد موسى تراوري، ومؤسس حزب “سادي”، ومعارض بنَفَس سيادي راديكالي، لكنه يمتلك أيضًا ميزة نادرة: القدرة على العبور بين السياسة والميدان.
وتعزز حضوره بعد تقارير عن دخوله سرًّا إلى مناطق نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ولقائه رهائن والمساهمة في إطلاق بعضهم، ما جعله يظهر كشخصية قادرة على فتح قنوات حيث تغلق الدولة أبوابها.
في المقابل، يحتفظ الإمام محمود ديكو بموقع مختلف. فهو لا يطلب السلطة التنفيذية، لكنه يملك الشارع، وكان أحد أبرز وجوه الحراك الذي سبق سقوط السلطة عام 2020. ولهذا، ينظر إليه مراقبون بوصفه “الضامن الشعبي” لأي انتقال، بينما قد يكون ماريكو “الوجه التنفيذي” الممكن إذا نضجت تسوية مدنية.
أزواد ونصرة الإسلام في معادلة المرحلة
في الشمال، تُبدي قوى أزوادية استعدادًا للمشاركة في مرحلة انتقالية إذا سقطت المعادلة العسكرية الحالية أو فُتح مسار سياسي جديد. وفي الوقت نفسه، تُظهر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خطابًا أكثر سياسيةً، يتحدث عن تغيير مدني وترتيبات مستقبلية للحكم، في مؤشر على رغبتها في التحول من قوة استنزاف عسكري إلى طرف يفرض شروطه في المرحلة المقبلة.
هنا تكمن خطورة اللحظة: فكلما تأخر الحل السياسي، اتسعت مساحة القوى المسلحة في صياغة البديل. لذلك يبدو التغيير في باماكو، بالنسبة إلى خصوم المجلس العسكري ومراقبين دوليين، أقل كلفة من استمرار سلطة عاجزة عن حماية المدنيين، وفاشلة في كسر العزلة، وغير قادرة على تحويل تحالفاتها العسكرية إلى أمن فعلي.
وبين “طبيب” يعرف جسد الدولة، و”إمام” يملك نبض الشارع، وقوى شمالية تستعد للدخول في معادلة الحكم، تحاول مالي الإجابة عن سؤالها الأصعب: هل تُنتج انتقالًا مدنيًا يوقف النزيف، أم تترك الجرح مفتوحًا حتى تفرض البنادق شكل الدولة المقبلة؟















