بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

آثار اجتماعية

موريتانيا بين حكم القضاء وذاكرة الرِّق: إدانة نائبتين تُعيد تفجير صراع الروايات حول “العبودية المستترة”

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في قضية تعكس حساسية أحد أكثر الملفات تعقيداً في موريتانيا، أصدرت محكمة حكماً بالسجن أربع سنوات بحق نائبتين معارضتين بعد اتهامهما الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بقيادة “نظام فصل عنصري”، ما فجّر جدلاً سياسياً وحقوقياً يتجاوز الواقعة القضائية إلى عمق تاريخ البلاد الاجتماعي.

وُجهت للنائبتين مريم الشيخ وغامو عاشور تهم تتعلق بـ”المَسّ بالرموز الوطنية” ونشر محتوى اعتُبر مُحرضاً، عقب تصريحات على مواقع التواصل الاجتماعي انتقدتا فيها أوضاع “السود وأحفاد العبيد” في البلاد.

القرار، الذي شمل أيضاً إغلاق حساباتهما ومصادرة هواتفهما، قوبل بإدانة من قوى معارضة اعتبرته انتهاكاً للحصانة البرلمانية، بينما ترى السلطات أنه يدخل ضمن تطبيق القانون.

إرث الرِّق… خلفية لا تغيب

تعود جذور الأزمة إلى تاريخ طويل من التراتبية الاجتماعية في موريتانيا، حيث أُلغيت العبودية رسمياً عام 1981، لكنها لم تُجرّم بشكل واضح إلا في 2007، قبل أن تُصنف لاحقاً كجريمة ضد الإنسانية مع تشديد العقوبات عام 2015.

ورغم هذا الإطار القانوني، تؤكد تقارير حقوقية أن الظاهرة لم تختفِ بالكامل، بل تحولت إلى أشكال حديثة أو وراثية، مرتبطة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية.

كما تشير تقديرات “مؤشر العبودية العالمي” إلى أن نحو 149 ألف شخص قد يعيشون في ظروف عبودية حديثة في موريتانيا، أي ما يقارب 3% من السكان، وهي من أعلى النسب عالمياً.

بين القانون والواقع

ترى منظمات حقوقية أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق القوانين، لا في غيابها. وتؤكد تقارير محلية ودولية أن الضحايا، وغالبيتهم من فئة “الحراطين” (أحفاد العبيد)، لا يزالون يعانون من التهميش في التعليم والعمل والتمثيل السياسي، إضافة إلى صعوبات في الوصول إلى العدالة.

في المقابل، تقول السلطات إن الرِّق لم يعد قائماً كممارسة قانونية، وإن ما تبقى هو “آثار اجتماعية” يتم التعامل معها عبر برامج تنموية وتشريعات متقدمة.

الأمم المتحدة، عبر خبرائها في قضايا العبودية المعاصرة، سبق لها أن أشادت ببعض الخطوات القانونية التي اتخذتها موريتانيا، لكنها شدَّدت في الوقت نفسه على ضرورة تحسين التنفيذ وضمان حماية الضحايا ومحاسبة الجناة. كما ترى منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” ومجموعات محلية أن السلطات كثيراً ما تضيق على النشطاء المناهضين للعبودية، معتبرة أن ملاحقتهم تقوض الجهود الرامية إلى كشف الانتهاكات ومعالجتها.

قضية تتجاوز القضاء

لا تبدو محاكمة النائبتين خلاف سياسي عابر فحسب، بل تعكس صراعاً أعمق حول توصيف الواقع الاجتماعي في موريتانيا: هل انتهت العبودية فعلاً، أم أنها ما تزال قائمة بأشكال غير معلنة؟

هذا السؤال، الذي تحاول الدولة احتواءه قانونياً، تراه المعارضة ومنظمات حقوقية قضية مركزية في مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي، خاصة في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية لإغلاق هذا الملف نهائياً.

وبين روايتين متناقضتين—واحدة رسمية تؤكد نهاية الظاهرة، وأخرى حقوقية تصر على استمرارها—يبقى ملف الرِّق في موريتانيا واحداً من أكثر القضايا حساسية، القادرة على إشعال الجدل كلما طُرح في المجال العام.