بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

جهاديّو الساحل يطرقون أبواب نيجيريا.. عُنف مُتصاعد قبل الانتخابات وخطر “الحِزام الجهادي” يتمدد غربًا

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

تدخل نيجيريا السباق إلى انتخابات يناير 2027 تحت ضغط أمني متصاعد، لكن الخطر لم يعد يقتصر على عودة التَّمرد في معاقله التقليدية في الشمال الشرقي، بل بات يمتد إلى جبهة أوسع وأكثر حساسية على تخوم الشمال والغرب، حيث تحذر تقديرات أمنية ومراكز بحث من أن الجماعات الجهادية القادمة من فضاء الساحل بدأت تجد لنفسها موطئ قدم على الحدود النيجيرية، مستفيدة من تراجع التنسيق الإقليمي، واتساع المناطق الرَّخوة، وتحوّل المثلث الحدودي بين النيجر وبنين ونيجيريا إلى ساحة عمليات متنامية.

هذا المسار، إذا تُرك يتمدد، يُهدد بإفشال ما تبقى من جهود مكافحة الإرهاب، ويفتح الباب أمام نشوء جيوب نفوذ متشددة داخل شمال نيجيريا وغربها على غرار ما شهدته مناطق من مالي وبوركينا فاسو، فيما يقول “مؤشر الإرهاب العالمي 2026” إن الجهاديين باتوا يسيطرون على “مساحات واسعة” في مالي وبوركينا فاسو ويواصلون كسب الأرض في النيجر.

مُنحنى العنف.. عودة واضحة

تأتي هذه المخاوف فيما تسجل نيجيريا عودة واضحة لمنحنى العنف. فبحسب “مؤشر الإرهاب العالمي 2026″، ارتفعت وفيات الإرهاب في البلاد بأكثر من 46% خلال 2025، فيما زادت الحوادث بنحو 43%، وكان الجزء الأكبر من هذا التصاعد مدفوعًا بنشاط “بوكو حرام” و”ولاية غرب أفريقيا”، اللتين استأثرتا بنحو 80% من الوفيات المرتبطة بالإرهاب في البلاد. 

كما قفز عدد الهجمات المنسوبة إلى “ولاية غرب إفريقيا” من 20 هجومًا في 2024 إلى 92 هجومًا في 2025، بينما شهد الشمال الشرقي منذ مطلع 2025 هجمات متزايدة عكست ما وصفه خبراء بـ”عودة كبرى” للجهاديين، مع استخدام طائرات مسيرة وعبوات ناسفة وهجمات أكثر جرأة على الطرق والمواقع العسكرية.

تمرد قديم يتجدد

في الظاهر، تبدو نيجيريا وكأنها تواجه الدورة المُعتادة من العنف قبيل الاستحقاقات السياسية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 16 يناير 2027، غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن البلاد تقف أمام تهديد أكثر تعقيدًا من مُجرد تصاعد موسمي للهجمات. فالجماعات التي واجهتها أبوجا طوال سنوات في بورنو وحوض بحيرة تشاد أثبتت مجددًا قدرتها على التكيف، سواء عبر تقليل الاقتتال الداخلي بين الفصائل أو عبر توظيف تقنيات أحدث وتكتيكات أكثر مرونة. 

كما أن الحكومة، رغم تعزيز تعاونها الأمني مع واشنطن ونشر نحو 200 عنصر أميركي وطائرات مسيرة من طراز MQ-9 في مهام تدريب واستخبارات غير قتالية، لا تزال تواجه معضلة اتساع الجبهات وتعدد الخصوم وتداخل مسارح العنف بين الشمال الشرقي والشمال الغربي والحدود المفتوحة مع دول الساحل.

والأخطر أن هذا التمرد لم يعد شأنًا نيجيريًا محضًا. المعضلة لم تعد محصورة في “بوكو حرام” أو “ولاية غرب إفريقيا” داخل بيئتهما التقليدية، بل في تلاقي الجبهة النيجيرية مع الفضاء الجهادي الساحلي الآخذ في التمدد. وتقول بيانات مشروع مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED إن الهجمات المرتبطة بجماعات موالية للقاعدة و”الدولة الإسلامية” (داعش) في المثلث الحدودي بين النيجر وبنين ونيجيريا ارتفعت 90% بين 2024 و2025، فيما تضاعف عدد القتلى إلى أكثر من ألف. وتصف الوكالة هذه المنطقة بأنها تحولت من ممر عبور مهمش إلى “منطقة صراع نشطة”، تساعد فيها هشاشة الحكم وحدود الدول السائبة على توسيع رقعة العمليات المسلحة.

الخطر ينتقل غربًا

هذا التحول هو ما يمنح التطورات الأخيرة وزنها الحقيقي. ففي أبريل الجاري، امتدت الاشتباكات بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بالقاعدة و”تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل” إلى النيجر للمرة الأولى، بالتوازي مع ظهور مؤشرات على نشاط هذه الجماعات في ولاية كيبي شمال غربي نيجيريا. وحسب المحللة بيفرلي أوتشينغ من “كونترول ريسكس” فإن ضعف التنسيق الأمني بين نيجيريا والنيجر خلق فجوة تسعى “نصرة الإسلام” (القاعدة) إلى استغلالها لإقامة نقاط ارتكاز وقواعد خلفية في جنوب النيجر وشمال غرب نيجيريا. أما الباحث هيني نسايبيا فحذر من أن التنافس بين الجماعتين سيغذي التجنيد والتمدد والعنف، ويجعل احتواء التمرد أكثر صعوبة.

وتتضح خطورة هذا المسار أكثر حين يقارن المحللون ما يجري في نيجيريا بما حدث في الساحل الإفريقي خلال الأعوام الأخيرة. فـ”مؤشر الإرهاب العالمي 2026″ يذكر أن الجهاديين توسعوا من جيوبهم الأصلية في شمال مالي وبعض محافظات بوركينا فاسو إلى وضع باتوا فيه يسيطرون على أراض واسعة في البلدين ويحققون تقدما في النيجر. 

كما يشير التقرير إلى أن أجزاء من شرق وشمال بوركينا فاسو أصبحت تحت سيطرة أو نفوذ المسلحين، وأن وجود الدولة انهار في بعض المناطق الحدودية، فيما استُخدمت تلك المناطق قواعد للتمدد اللاحق. وبهذا المعنى، فإن التحذير في نيجيريا لا يتعلق فقط بزيادة عدد الهجمات، بل بإمكان تكرار النموذج الساحلي نفسه: قرى تضعف فيها سلطة الدولة، طرق تهريب تتحول إلى شرايين تمويل، جماعات تفرض الإتاوات وتختبر الطاعة المحلية، ثم تتدرج من الهجوم إلى النفوذ فإلى إدارة الأمر الواقع.

سيناريو يُهدد الانتخابات والدولة

لعل ما يضاعف القلق أن الانتخابات المقبلة قد تمنح هذه الجماعات بيئة مثالية لاختبار الدولة، سواء عبر رفع وتيرة الهجمات أو توسيع مساحات التعطيل والترويع في الأطراف. وفي بلد يواجه أصلًا خليطًا من العنف الجهادي والخطف والنزاعات المحلية والضغوط الاقتصادية، فإن أي تمدد جديد من الغرب الساحلي نحو الداخل النيجيري من شأنه أن يُبدد المكاسب الأمنية المحدودة التي تحققت خلال السنوات الماضية. 

لا يبدو الأمر مُجرد احتمال نظري في فبراير الماضي هاجم مسلحون مشتبه بهم قرية في ولاية كوارا وقتلوا 170 شخصًا، بينما قال سكان إن المهاجمين دعوهم إلى التخلي عن الدولة النيجيرية والانصياع لحكم الشريعة وفق تصورهم، في مؤشر على أن بعض الجماعات لم تعد تكتفي بالغارات، بل تختبر فرض سلطة بديلة على المجتمعات المحلية.

بهذا المعنى، فإن نيجيريا لا تواجه فقط تصاعدًا جديدًا في العنف، بل تواجه لحظة مفصلية قد تحدد ما إذا كان الشمال النيجيري سيبقى ساحة تمرد متقطع يمكن احتواؤه، أم يتحول إلى امتداد الجغرافيا الجهادية التي أعادت رسم أجزاء من مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وهذا هو جوهر التحذير الذي يردده الباحثون اليوم: حين تبدأ جماعات الساحل في طرق أبواب نيجيريا، فإن الخطر لا يكمن في الهجوم التالي فقط، بل في احتمال أن يُصبح التمدد نفسه واقعًا دائمًا يصعب اقتلاعه لاحقًا.