لم يقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عند إعلانه مقتل أبو بلال المنكي، الرجل الثاني في “داعش” على مستوى العالم، أي تفاصيل بشأن الطريقة التي قُتل بها أو مكان مقتله، لكن مصدرًا أمنيًا نيجيريًا كشف لموقع “غلوبال ووتش عربية” أن عملية تعقب استمرت ثلاثة أسابيع لشرائح هاتف كان يستخدمها المنكي وأحد مساعديه قادت إلى تحديد مكان وجوده في منطقة “بني شيخ” بولاية بورنو شرق نيجيريا، التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى أحد أبرز معاقل التنظيم في غرب أفريقيا.
قال ترامب: “بتوجيه مني، نفذت القوات الأميركية والقوات المسلحة النيجيرية بنجاح تام مهمة بالغة التعقيد ومخططة بدقة للقضاء على أخطر إرهابي في العالم”، مضيفًا عبر منصة Truth Social: “اعتقد المنكي أنه يستطيع الاختباء في أفريقيا، لكنه لم يكن يعلم أن لدينا مصادر تُطلعنا على ما يفعله”.
وبعد ستة أشهر من المطاردات، قُتل المنكي في عملية مشتركة نفذتها القوات الأميركية والنيجيرية، وذلك بعد أن تمكن طوال الأشهر الماضية من تفادي ضربات أميركية مكثفة بدأت منذ ديسمبر 2025 واستهدفت مواقع مرتبطة بـ “داعش: في شمال شرق نيجيريا. وتحول المنكي منذ عام 2018 إلى القائد الفعلي للتنظيم في غرب أفريقيا عقب إعدام سلفه مامان نور، فيما صنفته الولايات المتحدة، في يونيو 2023، كأحد أخطر قادة الإرهاب في العالم
جاءت عملية اغتيال المنكي بعد يوم واحد فقط من إطلاق السلطات النيجيرية حملة واسعة لقطع اتصالات الجماعات المتشددة ومصادرة أكثر من 400 جهاز “ستارلينك”، وسط مخاوف متزايدة من استخدام التنظيمات الإرهابية للأدوات التكنولوجية الحديثة في تعزيز الاتصالات وحماية القيادات الميدانية. وتثير عملية قتل المنكي تساؤلات واسعة حول دلالاتها الأمنية ومدى تأثيرها على مستقبل أنشطة الجماعات المتشددة في أفريقيا، خاصة بعد أن سجل الربع الأول من عام 2026 أعلى معدلات العنف الإرهابي منذ نحو عقد، مع ارتفاع الهجمات بنسبة 25%.
في هذا السياق، حذر قائد القيادة الأميركية في أفريقيا “أفريكوم”، الجنرال داغفين أندرسون، من تحول أفريقيا إلى “المركز الرئيسي للعمليات الإرهابية في العالم”، مؤكداً أن واشنطن تعطي أولوية لدعم الشركاء الأفارقة القادرين على مواجهة التهديدات المتصاعدة. كما سجلت نيجيريا، وفق بيانات قاعدة “أسليد” لرصد النزاعات المسلحة، أكبر زيادة في ضحايا الإرهاب على مستوى العالم خلال عام 2025، بعدما ارتفع عدد القتلى بنسبة 46% من 513 إلى 750 قتيلاً.
صعود “العقل الشبكي”
وتزامن صعود المنكي داخل “داعش” في غرب أفريقيا مع مرحلة توسع غير مسبوقة لأنشطة التنظيم، سواء من حيث الانتشار الجغرافي أو التطور التكتيكي. وتشير تقارير أمنية واستخباراتية إلى أن المنكي استقدم، مع بداية قيادته، نحو 60 مقاتلاً أجنبياً يمتلكون خبرات قتالية متقدمة من الشرق الأوسط ومناطق صراع أخرى، بهدف إعادة بناء القدرات العملياتية للتنظيم ورفع كفاءته الميدانية. وتزامن ذلك مع تغييرات واضحة في التكتيكات شملت تكثيف الهجمات الليلية، واستخدام فرق هجومية متنقلة، ونشر طائرات مسيرة للمراقبة والهجوم، وتطوير العبوات الناسفة، واستئناف التفجيرات الانتحارية بشكل أكثر تنظيماً.
وأثار الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة قلقاً متصاعداً لدى الأجهزة الأمنية النيجيرية، إذ اعتُبر مؤشراً على قدرة التنظيمات المتشددة في أفريقيا على استيعاب أساليب الحرب غير التقليدية والتكيف مع التطورات التكنولوجية العالمية. ويقول الخبير في شؤون الإرهاب بمنطقة بحيرة تشاد، زاجازولا ماكاما، إن دور المنكي تجاوز حدود القيادة الميدانية، إذ لعب دوراً محورياً في تنسيق التمويل الدولي والاتصالات الاستراتيجية والتدريب بين القيادة المركزية لتنظيم “داعش” وفروعه المنتشرة في أفريقيا.
اختراق استخباراتي
يرى مراقبون أن مقتل المنكي يمثل أحد أهم النجاحات الأمنية في منطقة بحيرة تشاد خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب تصفية شخصية بارزة، بل لأن العملية تكشف عن تحول نوعي في أساليب ملاحقة قيادات الجماعات المتشددة. ويقول ماكاما إن أبو بلال المنكي “لم يكن قائداً ميدانياً عادياً، بل كان العقل الذي نقل عقيدة الحرب الجديدة لتنظيم داعش إلى غرب أفريقيا”. وبحسب تقديراته، فإن مقتل المنكي قد يقود إلى خلخلة هيكل القيادة والتنسيق داخل التنظيم، وخلق حالة من انعدام الثقة بين القيادات، وإحداث شلل عملياتي مؤقت داخل شبكات “داعش” في غرب أفريقيا.
كما تعكس العملية، وفق مراقبين، اختراقاً استخباراتياً كبيراً لشبكات التنظيم التي اعتمدت لسنوات على الطبيعة الجغرافية المعقدة الممتدة من جزر بحيرة تشاد إلى عمق الساحل الأفريقي للاختباء وإعادة التموضع. ويشير خبراء إلى أن حديث ترامب عن “مصادر” كانت تراقب تحركات المنكي قد يثير شكوكاً داخلية واسعة في صفوف التنظيم، ويدفع إلى موجة من التصفيات الداخلية والاتهامات بالتسريب والخيانة، بينما تمثل العملية بالنسبة للقوات النيجيرية دفعة معنوية مهمة بعد سنوات من الخسائر والإخفاقات الأمنية.
حرب التكنولوجيا
تعكس عملية اغتيال المنكي تصاعد القلق الدولي من توسع نفوذ “داعش” في غرب أفريقيا والساحل، في وقت تحولت فيه المنطقة إلى واحدة من أكثر ساحات الجهاد نشاطاً في العالم، مستفيدة من هشاشة الحدود والانقلابات العسكرية وتراجع سلطة الدول في أجزاء واسعة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وباتت الحكومات الغربية تنظر إلى المنطقة باعتبارها تهديداً عابراً للحدود، وليس مجرد أزمة أمنية محلية داخل القارة الأفريقية.
وتشير مصادر أمنية نيجيرية إلى أن العملية جاءت بعد تعقب دقيق لشرائح هاتف استخدمها المنكي ومساعدوه، في مؤشر على تحول متزايد نحو استهداف البنية التكنولوجية التي تعتمد عليها الجماعات المتشددة في حماية قياداتها. ويقول الباحث في الشؤون الأمنية بمركز الدراسات الأفريقية، أبراهام نيكون، إن “الجماعات الإرهابية في الساحل وغرب أفريقيا تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى كيانات أكثر ترابطاً وتكيفاً بفضل التطور التكنولوجي”، موضحاً أن التنظيمات المتشددة “بدأت العمل بشكل شبه مستقل داخل نيجيريا والكاميرون والنيجر وتشاد لتفادي استراتيجيات استهداف القيادات”.
وأضاف أن التكنولوجيا لم تسهم فقط في حماية القيادات، بل ساعدت أيضاً في التجنيد الإلكتروني وإعادة بناء الخلايا وتعزيز اللامركزية العملياتية، مشيراً إلى أن نجاح مواجهة هذا النوع من التهديدات لن يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على تعزيز التعاون الاستخباراتي بين دول المنطقة وتطوير أنظمة المراقبة التقنية ومعالجة الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسمح بتمدد الجماعات المتشددة في أفريقيا.
رغم أهمية مقتل المنكي، يحذر مختصون من أن ذلك لا يعني هزيمة “داعش”، الذي أظهر خلال السنوات الماضية قدرة عالية على إعادة إنتاج قياداته والتكيف مع الضغوط العسكرية والانقسامات الداخلية والغارات الجوية المتواصلة. ولا يرتبط استمرار التنظيم، بحسب خبراء، بالأيديولوجيا وحدها، بل أيضاً بعوامل هيكلية أعمق تشمل الفقر والبطالة والنزوح وضعف الحدود ومحدودية حضور الدولة في المناطق النائية.















