تعكس تصريحات الإعلامي الإخواني أحمد عبد العزيز، التي تحدث فيها مع قيادات من حركة “ميدان” عن “رؤى مَنامية” تبشر بعودة الجماعة إلى المشهد السياسي، تحولات عميقة داخل الخطاب العام، وتمثل مدخلاً لقراءة أوسع ضمن مرحلة جديدة تتقاطع فيها الضغوط الأمنية مع أدوات التعبئة الداخلية للتنظيم.
جاء الحديث عن “المَنامات” بالتزامن مع إطلاق تحركات سياسية تحت عنوان “المؤتمر الوطني”، في محاولة لإعادة صياغة حضور الجماعة خارج الأطر التقليدية، في وقت تواجه فيه تضييقاً متزايداً في العالم العربي وخارجه.
تجفيف المَنابع.. ضغط إقليمي ودولي متصاعد
لا يمكن فصل هذا التحول عن مسار أوسع من “تجفيف المَنابع” الذي طال الجماعة خلال السنوات الماضية، إذ تعرضت لسلسلة من الإجراءات في عدد من الدول العربية شملت تصنيفها تنظيماً إرهابياً في مصر والسعودية والإمارات والبحرين، ضمن توجه إقليمي استهدف تقليص حضورها السياسي والمالي.
في الولايات المتحدة، تعتمد السلطات على منظومة قوانين مكافحة الإرهاب التي تتيح تجميد الأصول وحظر التعامل مع الكيانات المرتبطة، إلى جانب إدراج أفراد على لوائح العقوبات، ما يحد من قدرة التنظيم على التحرك والتمويل.
أما في أوروبا، فبينما لا يوجد تصنيف موحد للجماعة، اتجهت عدة دول إلى تشديد الرقابة على الشبكات المرتبطة بها، خاصة في قطاع التمويل وعمل الجمعيات، وسط مخاوف من توظيف هذه الهياكل في نشاط سياسي غير مباشر.
خطاب المَنامات.. أداة تعبئة في زمن الانكماش
في ظل هذا الضغط، يبرز خطاب “الرؤى المَنامية” كأداة تعبئة بديلة، حيث يتحول من تعبير فردي إلى رسالة موجهة للقواعد التنظيمية، تحمل دلالات رمزية حول “العودة” و”التمكين”.
يُشير مراقبون إلى أن هذا النمط من الخطاب يهدف إلى الحفاظ على التماسك الداخلي، وتعويض غياب الإنجازات السياسية، بالإضافة إلى إعادة إنتاج الأمل عبر سرديات غير قابلة للتحقق.
كما أن تداول مثل هذه الروايات ليس جديداً في أوساط الحركات الإسلامية، حيث تظهر عادة في فترات الأزمات والانكماش، وتُستخدم لتعزيز الانتماء واليقين داخل القواعد.
بين الغيب والسياسة.. فجوة الواقع
رغم هذا الحضور الرمزي، لا يظهر خطاب “المنامات” في الأدبيات الرسمية للجماعة أو بياناتها المؤسسية، ما يجعله أقرب إلى خطاب إعلامي أو تعبوي غير منظم.
وتؤكد المرجعيات الشرعية التقليدية أن الرؤى لا يمكن أن تكون أساساً لاتخاذ القرار أو بناء المواقف العامة، وهو ما يضع هذا النوع من الخطاب في سياق رمزي أكثر منه عملي.
تُشكل قصة أحمد عبدالعزيز، وما رافقها من حديث عن “الرؤى”، لحظة مفصلية في مسار جماعة الإخوان. لحظةٌ يتقاطع فيها الضغط الأمني وتجفيف الموارد مع تحولات الخطاب، واستدعاء أدوات رمزية لتعويض انكماش المجال السياسي، في انتقال لافت من معطيات الواقع إلى رهانات الحلم.















