بعد غياب استمر خمسة أيام أثار جدلًا واسعًا في المشهد السوداني المُلتهب، عاد قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، يوم أمس الأحد، إلى الظهور، لكن بشكل زاد من إشعال الجدل المُحتدِم أصلًا. منذ اختفائه عن رادار الأخبار بعد مغادرته العاصمة العُمانية مسقط الثلاثاء الماضي، لم يرِد عن البرهان أي خبر في أي من المنصَّات الرَّسمية التابعة للجيش أو مجلس السيادة الذي يرأسه أيضًا.
بشكل مفاجئ، نشرت منصَّات غير رسمية مساء الأحد صورًا ومقاطع فيديو له، وهو يستقبل للمرة الثانية الرجل الثالث في قوات الدعم السريع، النور قبة، الذي انضم قبل نحو عشرة أيام إلى الجيش، في خطوة أحيطت بالكثير من التفسيرات، في ظل شائعات مُتصاعدة عن صفقة وشيكة لوقف الحرب المدمرة المستمرة في البلاد منذ منتصف أبريل 2024.
احتقان داخلي وخلافات حادة
ويأتي اختفاء وظهور البرهان وسط احتقان داخلي كبير وخلافات حادة داخل معسكر الجيش، الذي يضم القوة المشتركة المُكونة من حركتي جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، وحركات دارفورية أخرى، إضافة إلى كتائب مُسلحة تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين، المُتهم بالهيمنة على قرار الجيش، والذي صنفته الولايات المتحدة الأمريكية في مارس/آذار الماضي جماعة إرهابية، مما أثار مخاوف حول تأثيرات كارثية على الجيش نفسه. كما يأتي اختفاء وظهور البرهان أيضًا في ظل تقدم كبير لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، في محاور القتال بمنطقة النيل الأزرق الاستراتيجية المُتاخمة للحدود الإثيوبية في جنوب شرق البلاد.
بوبدون سابق إعلان، وصل البرهان في العشرين من أبريل/نيسان إلى مدينة جدة السعودية، في زيارة لم تكن مُعلنة مُسبقًا، التقى خلالها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وصدر في أعقابها بيان مُقتضب لم يخرج عن السياق البروتوكولي المعهود. لكن مصدرًا دبلوماسيًا رفيعًا أكد لموقع “غلوبال ووتش عربية” أن لقاء البرهان ببن سلمان ناقش خطوات عملية لوقف الحرب وضرورة الالتزام بخارطة طريق مُتفق عليها دوليًا، وهو ما أثار تكهنات عن ترتيبات تجري للقاء مُحتمل بين البرهان وحميدتي.
وبنفس الغموض الذي أحاط بسفره إلى السعودية، وصل البرهان بعد ساعات من لقائه بولي العهد السعودي إلى سلطنة عُمان، حيث التقى السلطان هيثم بن طارق يوم الثلاثاء، واختفى بعدها عن رادار الأخبار تمامًا حتى ظهوره الأخير مساء الأحد برفقة النور قبة. ويربط محللون بين زيارة البرهان المفاجئة للسعودية، واختفائه وظهوره لاحقًا، ووصول النور قبة إلى مناطق سيطرة الجيش، وتحركات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط وإفريقيا، ولقائه بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الثلاثاء، أي بعد يوم واحد من لقاء البرهان ببن سلمان.
وأجًّجت حالة الغموض التي أحاطت بتحركات البرهان الأخيرة عاصفة من الشائعات، وصلت إلى حد حديث بعض التقارير، التي لم يتم التأكد من صِحتها، عن لقاء سرِّي جرى بين البرهان وحميدتي في إحدى العواصم العربية لمناقشة وقف الحرب.
لماذا النور قبة؟
في خِضم الضُّغوط الدولية والإقليمية المُتصاعدة الدَّاعية لوقف الحرب، احتفت مِنصَّات الجيش إعلاميًا بانضمام النور قبة، الرجل الثالث في قوات الدعم السريع، واستقبله البرهان في مدينة دنقلا، عاصمة شمال السودان، قبل يوم واحد من سفره إلى جدة، وهو ما أثار تكهنات كبيرة حول علاقة الخطوة بالتحركات الخارجية، التي جاءت وسط تقارير تحدثت عن اعتقال عدد من العناصر الإخوانية الميدانية المتشددة التابعة لكتائب الإخوان المُسلحة المتحالفة مع الجيش.
وذهبت تحليلات بعض المراقبين إلى اعتبار أن وصول النور قبة إلى مناطق سيطرة الجيش جاء ضمن خطة تسوية مدعومة دوليًا وإقليميًا. ورأت بعض التحليلات أن العملية مرتبطة بمحاولة تذويب خطاب الكراهية المُتفشي بشدة، حيث سيجعل وصول النور قبة واستقباله الحار من قبل البرهان وقيادات الجيش، الرافضين لقبول وجود عناصر الدعم السريع بينهم، أكثر تقبلًا للوضع الجديد.
كما ربطت تحليلات أخرى الخطوة بتوازنات أمنية، في ظل حاجة قيادات الجيش إلى كبح طموحات حلفائهم المتزايدة، خصوصًا القوة الدارفورية المشتركة و”كتيبة البراء”، التي تعارض أي تسوية أو مفاوضات مع قوات الدعم السريع تؤدي إلى إنهاء الحرب.
انتهاكات كبيرة في حق المدنيين
وتشير تقارير إلى نشر نحو 3 آلاف مقاتل تابعين للنور قبة في عدد من المحاور المهمة التي ظلت تسيطر عليها القوات المشتركة و”كتيبة البراء” في العاصمة الخرطوم، رغم قرار صدر من قيادة الجيش قبل أربعة أشهر بإخلاء العاصمة من أي مجموعات مسلحة، وسط شكاوى متزايدة بارتكاب تلك القوات انتهاكات كبيرة في حق المدنيين، مما جعل من العودة إلى الخرطوم نوعًا من المخاطرة.
وفقًا للكاتب والباحث السياسي عماد أونسة، فإن ظهور النور قبة في هذا التوقيت يحمل دلالات كبيرة، فهو أحد أهم القيادات الميدانية في قوات الدعم السريع، وارتبط اسمه بساحات العمليات في مناطق متفرقة من الإقليم، ضمن سياقات عسكرية شديدة التعقيد اتسمت بتعدد الفاعلين وتداخل الولاءات المحلية والميدانية. ويوضح: “مع تغير خريطة الحرب، أعاد قبة تموضعه السياسي والعسكري عبر انضمامه إلى القوات المسلحة، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز البعد الفردي إلى بنية التحالفات ذاتها”.
لا يبدو أن عودة عبدالفتاح البرهان أنهت حالة الغموض بقدر ما عمّقتها، إذ تداخلت إشارات الداخل المُضطرب مع رسائل الخارج المتسارعة، في لحظة تُعاد فيها صياغة موازين القوى والتحالفات على وقع ضغوط التسوية واحتمالات التصعيد. وبينما تتجه الأنظار إلى مسار الاتصالات الإقليمية والدولية، يبقى المشهد السوداني مفتوحًا على سيناريوهات متباينة، يتقدمها اختبار جِدية الأطراف في الذهاب نحو تسوية تُنهي الحرب، أو الانزلاق نحو مرحلة أكثر تعقيدًا تُفاقم كلفة الصراع على الدولة والمجتمع.















