يمنح مشروع “قانون السلام في السودان”، المدعوم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، إدارة الرئيس الأميركي أدوات إضافية واسعة لمحاسبة مرتكبي العنف في السودان والمتواطئين في استمراره، وتشديد الضغوط على الجهات التي تغذي النزاع، بالتوازي مع دعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
يستهدف التشريع معالجة النزاع السوداني عبر الجمع بين أدوات العقوبات والضغوط السياسية والدبلوماسية، مع تعزيز جهود المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال الحرب، ودفع الأطراف المتحاربة نحو تسوية سياسية شاملة. ويوجه القانون وزارة الخارجية الأميركية إلى إعداد استراتيجية متكاملة لضمان التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ودعم جهود السلام والاستقرار في السودان والمنطقة، انطلاقاً من اعتبار استمرار الحرب تهديدًا للأمن الإقليمي وللمصالح الأميركية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتسببت الحرب المستمرة في السودان في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وتشريد ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها، فضلاً عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية بصورة غير مسبوقة.
كما دعا المشرعون الأميركيون مجلس الشيوخ إلى الإسراع في إقرار القانون، كما طالبوا الإدارة الأميركية بزيادة الدعم الإنساني المخصص للسودان، مؤكدين أن استقرار البلاد يمثل عنصراً أساسياً في حماية الأمن الإقليمي وضمان أمن الملاحة والتجارة في البحر الأحمر.
أدوات جديدة لزيادة الضغوط
قال السيناتور الجمهوري جيم ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن مشروع القانون يمثل جهداً مشتركاً بين الحزبين لتزويد الإدارة الأميركية بأدوات أكثر فعالية لرفع كلفة الحرب على أطرافها وداعميها.
ووصف ريش الحرب في السودان بأنها “كارثة إنسانية ومصدر لعدم الاستقرار في أفريقيا وتهديد للأمن القومي الأميركي”، محذراً من أن استمرار الانهيار قد يؤدي إلى موجات هجرة واسعة ويوفر بيئة مواتية لنشاط الجماعات المتطرفة.
من جهته، اعتبر السيناتور الديمقراطي كريس كونز أن الحرب الأهلية في السودان تمثل “أكبر أزمة إنسانية في العالم”، مشدداُ على أن إنهاء النزاع لن يتحقق إلا عبر حل دبلوماسي يفرض على جميع الأطراف الجلوس إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى سلام دائم ومستدام. وأضاف أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب السوداني في تطلعاته إلى السلام والعدالة بعد سنوات طويلة من الصراعات والأزمات.
مراجعة تصنيف الأطراف المسلحة
ومن أبرز ما يتضمنه التشريع دعوة وزير الخارجية الأميركي إلى تقييم ما إذا كانت الجهات المسلحة المنخرطة في الحرب تستوفي شروط تصنيفها ضمن قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين تصنيفاً خاصاً.
كما يمنح الإدارة الأميركية نظاماً أكثر اتساعاً ومرونة للعقوبات، مع فرض قيود على أشكال المساعدات الخارجية غير المنقذة للحياة التي يمكن تقديمها للسودان، سواء بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية متعددة الأطراف.
ويلزم القانون أيضاً الإدارة الأميركية بتحديث الإرشادات الخاصة بالشركات والمستثمرين الأميركيين بشأن مخاطر العمل في السودان، بما يشمل التحذير من مخاطر الاستثمار في سلاسل توريد الموارد الطبيعية المرتبطة بمناطق النزاع.
حزمة عقوبات وضغوط دولية
هذا ويتضمن المشروع حزمة واسعة من الإجراءات تشمل مراقبة أنشطة الحكومات الأجنبية والجماعات المسلحة غير الحكومية المتهمة بدعم أطراف الحرب أو المساهمة في ارتكاب الفظائع والانتهاكات.
كما يدعو وزارة الخارجية الأميركية إلى العمل على بناء تحالف دولي أكثر تماسكًا لإنهاء الصراع، وإعداد استراتيجية خلال ستة أشهر تضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار وتمهد لتسوية سياسية شاملة.
ويشدد التشريع على ضرورة التنسيق مع الأطر الدبلوماسية الدولية المعنية بالأزمة السودانية، وفي مقدمتها المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية، إلى جانب الآلية الخماسية التي تشمل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد.
ويفرض المشروع عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في ارتكاب الانتهاكات أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك تجميد الأصول والممتلكات، وحظر التأشيرات، ومنع الوصول إلى القروض والتسهيلات المالية.
كما يقترح حظر بيع أو تصدير أو نقل المعدات الدفاعية الرئيسية إلى أي دولة يثبت أنها تقدم دعماً لأي من طرفي النزاع، سواء القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع.
استجابة لأزمة إنسانية غير مسبوقة
يتزامن طرح القانون مع استمرار التدهور الإنساني في السودان، حيث يعيش ملايين السودانيين في أوضاع النزوح واللجوء، فيما يواجه أكثر من نصف السكان مخاطر انعدام الأمن الغذائي، وسط انهيار اقتصادي واسع النطاق وخسارة قطاعات كبيرة من الاقتصاد الوطني لقدراتها الإنتاجية.
يرى القيادي في تحالف “صمود” خالد عمر يوسف أن المشروع يمثل دعماً واضحاً لجهود إحلال السلام، ويعكس تنامي الإدراك الدولي لطبيعة الحرب وتداعياتها الكارثية على السودان. وقال إن التشريع يضع وقف الحرب في صدارة أولويات السياسة الأميركية تجاه السودان، إلى جانب دعم الحوار السياسي المؤدي إلى انتقال مدني ديمقراطي، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
وأضاف أن المشروع لا يقتصر على استهداف أطراف القتال بالعقوبات، بل يوسع نطاق المساءلة ليشمل المسؤولين عن المسار السياسي الذي قاد إلى اندلاع الأزمة وتفاقمها، في إشارة إلى انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول وما أعقبه من تطورات.
يعكس مشروع القانون، في مجمله، توجهاً أميركياً نحو الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى محاولة رفع الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية للحرب، عبر منظومة أشمل من العقوبات والضغوط الدولية، بهدف دفع الأطراف المتحاربة نحو تسوية سياسية تنهي واحدة من أكثر الحروب تدميراً في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة.















