بعد أكثر من 1130 يوماً على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تبدو البلاد أبعد من أي وقت مضى عن تسوية سياسية، في ظل تصعيد عسكري متواصل في كردفان والنيل الأزرق، وانهيار المساعي الدبلوماسية التي تجاوزت عشر مبادرات إقليمية ودولية من دون تحقيق اختراق يُذكر. وبينما خلّفت الحرب أكثر من 200 ألف قتيل وأنتجت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تتزايد المخاوف من أن يقود استمرار الصراع إلى واقع تقسيمي جديد يعيد رسم خريطة السودان.
تعززت هذه المخاوف بعد إعلان سلطة تحالف “تأسيس”، المسيطرة على إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان والنيل الأزرق، تشكيل مؤسسات سيادية جديدة، من بينها مجلس للعملة وهيئة للجمارك، في خطوة رأى فيها مراقبون مؤشراً إضافياً على ترسخ سلطتين متوازيتين في البلاد، بعد 15 عاماً فقط من انفصال جنوب السودان.
لا يرتبط تعثر جهود وقف الحرب فقط بالتوازنات العسكرية، بل أيضاً بالخوف من استحقاقات “اليوم التالي”، وفي مقدمتها ملفات العدالة والمحاسبة وإعادة هيكلة السلطة والمؤسسات الأمنية. وتتهم تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية كلاً من الجيش والدعم السريع بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
يقول الخبير القانوني المعز حضرة، إن “أطراف النزاع متورطة في انتهاكات كبيرة تجعلها أكثر ميلاً إلى إطالة أمد الحرب من الانخراط في تسوية شاملة”، مشدداً على أن أي عملية سلام جادة لا بد أن تتضمن آليات للعدالة الانتقالية والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
أسئلة السلام المؤجلة
يجمع مراقبون على أن أكثر ما يعرقل التسوية هو الغموض الذي يحيط بمرحلة ما بعد الحرب. أسئلة من قبيل من يتحمل مسؤولية الانتهاكات والدمار، ومن يسيطر على المؤسسة العسكرية والسلاح، وما مصير القيادات العسكرية والسياسية الحالية، لا تزال بلا إجابات واضحة.
يقول البرلماني والوزير الأسبق محمد الخليفة، إن بعض الأطراف تنظر إلى استمرار الحرب على أنه هروب مؤقت من استحقاقات السلام الثقيلة، مضيفاً، أن كل طرف يدرك أن وقف القتال من دون ضمانات سياسية وأمنية قد يعني نهاية دوره أو تراجع نفوذه بصورة جذرية.
ويرى الخليفة أن الحرب تحولت تدريجياً إلى وسيلة لتحسين شروط التفاوض أكثر من كونها سعياً لتحقيق نصر عسكري حاسم، لافتاً إلى أن أطرافاً إقليمية ودولية لا تزال تنظر إلى الصراع باعتباره فرصة لإعادة تشكيل موازين النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ويضيف، بأن الحرب أفرزت كذلك اقتصاداً موازياً قائماً على السيطرة على الذهب وشبكات التهريب وتجارة السلاح والمخدرات، ما خلق مصالح مالية واسعة مرتبطة باستمرار النزاع. وبأن بعض المستفيدين من الاقتصاد الجديد لا يرون في السلام مصلحة مباشرة، فإنهاء الصراع يعني خسارة امتيازات وموارد وُلدت في ظل الفوضى.
مخاطر التقسيم
تتزايد المخاوف من انزلاق السودان نحو انقسام فعلي في ظل وجود سلطتين متنافستين؛ إحداهما تدير العاصمة الخرطوم ومعظم مناطق الشمال والشرق والوسط، والأخرى تسيطر على كامل دارفور وأجزاء واسعة من كردفان والنيل الأزرق. يُذكر أن مناطق نفوذ تحالف “تأسيس” تمثل أكثر من 45% من مساحة السودان الحالية البالغة نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع.
وتغذي هذه المخاوف مؤشرات اجتماعية وإدارية متصاعدة، من بينها انتشار خطاب الكراهية، والاتهامات باستهداف مجموعات إثنية من دارفور، إضافة إلى إجراءات مثل تغيير العملة وتنظيم الامتحانات القومية في مناطق محددة دون غيرها، بما يعمق الشعور بوجود واقعين سياسيين وإداريين منفصلين داخل الدولة الواحدة.
في السياق ذاته، تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تراجع الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة وارتفاع أسعار السلع وشح المياه، بينما يعيش ملايين السودانيين أوضاع النزوح والفقر وفقدان الأمن.
يحذر البروفيسور قاسم بدري، رئيس مجلس إدارة “جامعة الأحفاد”، من أن استمرار الحرب يدفع البلاد نحو شلل كامل في مختلف مناحي الحياة، ويعمق معاناة المواطنين الذين يواجهون يومياً تحديات البقاء الأساسية.
توترات داخلية تهدد طرفي الحرب
لا تقتصر التحديات على خطوط المواجهة العسكرية، إذ تتزايد مؤشرات التآكل الداخلي ضمن معسكري الحرب. فقد شهدت قوات الدعم السريع سلسلة انشقاقات شملت قيادات ميدانية بارزة، بينما تتصاعد الخلافات داخل معسكر الجيش وسط اتهامات متبادلة بالفساد وصراع نفوذ بين مراكز القوى المختلفة.
يقول الباحث السياسي، الأمين بلال، يراهن الطرفان على إمكانية تحسين موقعيهما العسكري والسياسي عبر إطالة أمد الصراع، وبأن التنازل في هذه المرحلة يُعد خسارة للنفوذ والمكاسب.
ويضيف، بأن السيطرة على الموارد المالية، وفي مقدمتها الذهب والمؤسسات المصرفية وشبكات التجارة، أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الحرب، فيما يسهم الدعم الخارجي المتقاطع في إبقاء الصراع مفتوحاً وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية نهائية.
في ظل هذه المعطيات، يواجه السودان اليوم خطراً مزدوجاً يتمثل في استمرار حرب الاستنزاف من جهة، وتآكل أسس الدولة الموحدة من جهة أخرى، ما يجعل مخاوف “اليوم التالي” أحد أبرز العوامل التي تطيل أمد الصراع وتدفع البلاد نحو مستقبل أكثر غموضاً.















