الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

“انقلاب أبيض” أم إنقاذ لتحالف الحرب؟.. تغييرات البرهان تعزّز الشكوك حول فك ارتباط الجيش السوداني بـ”الإخوان المسلمين”

الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

يتصاعد الجدل حول التغييرات الواسعة التي أعلنها قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، والتي شملت تعيين مساعده الفريق ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان. خطوةٌ أثارت تبايناً حاداً في تفسيرها، بين من يراها إصلاحاً عسكرياً ضرورياً، ومن يعدها مؤشراً مقلقاً على ازدياد تغلغل نفوذ الإخوان داخل الجيش.

أثارت هذه القرارات جدلاً واسعاً بسبب العلاقة الوثيقة التي تربط العطا بكتائب محسوبة على الإخوان المسلمين، صُنّفت مؤخراً ضمن جماعات إرهابية. وبينما يرى مؤيدو الخطوة أنها تأتي في سياق إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية، يحذّر آخرون من أنها قد تمثل “انقلاباً أبيضاً”، وتعكس في الوقت ذاته تصدعات متزايدة داخل تحالف الحرب.

مشهد مُعقد ومتشابك

يضم هذا التحالف أطرافاً متعددة، من بينها كتيبة البراء، أحد الأجنحة المسلحة المرتبطة بالإخوان، إلى جانب القوة المشتركة لحركات دارفور، وقوات درع السودان، ومجموعات أخرى أقل وزناً، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً.

يتفق معظم المراقبين على أن الرابح من هذه التغييرات هو التيار الإخواني المتشدد، الذي يواجه خطر فقدان نفوذه داخل المؤسسة العسكرية، خصوصاً بعد تصنيفه جماعة إرهابية في التاسع من مارس.

تأتي الخطوة في ظل شكوك متزايدة حول قدرة قيادة الجيش على فك الارتباط بتنظيم الإخوان، الذي يسعى عبر النفوذ الأمني إلى رفع كلفة أي انتقال سياسي لاحق، ويعمّق الشكوك الإقليمية والدولية حول طبيعة السلطة التي تشكلت عقب اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في إبريل 2023.

محاولة لاحتواء تصدعات خطيرة

يصف الباحث السياسي والكاتب محمد هاشم الحسن التغييرات الأخيرة بأنها “محاولة سريعة لاحتواء تصدعات تتسع داخل معسكر الحرب”، موضحاً أن “تعيين ياسر العطا في قلب القيادة لا يعكس تماسكاً جديداً بقدر ما يكشف عن ضيق هامش الخيارات… حين تضطر القيادة إلى رفع صوت التشدد داخلها لتثبيت نفسها، فهذه ليست قوة، بل إدارة للقلق”.

يرى هاشم أن معسكر الجيش السوداني لم يعد “مجرد جيش يقاتل خصماً، بل شبكة معقدة من قوى تتشارك الحرب ولا تتشارك المشروع، وبعض أطرافها يسعى للعودة إلى السلطة من بوابة الفوضى”. ويعتبر أن اختيار العطا يوجّه رسالة طمأنة للتيار المتشدد داخل معسكر الحرب، مفادها أن هذا التيار ما يزال في قلب المعادلة، رغم الضغوط المتزايدة عليه.

ويحذّر من مأزق أعمق فرضه تغلغل الإخوان داخل المؤسسة العسكرية، موضحاً أن “القيادة لا تستطيع كسر نفوذهم لأنهم جزء من طاقة الحرب، ولا تستطيع الاعتراف بهم لأنهم عبء على شرعيتها الخارجية”. كما يستبعد أن تنجح هذه التغييرات في احتواء التوتر، لافتاً بأن الأزمة قد تعود بشكل أكثر حدّة مع اقتراب استحقاقات ما بعد الحرب، حين تتحول التوازنات المؤقتة إلى صراع مفتوح على السلطة والنفوذ.

تغييرات وسط مخاوف متصاعدة

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، تبنّى ياسر العطا مواقف داعمة للكتائب الإخوانية، ما انعكس سلباً على صورة الجيش، ودفعه إلى مسار تصادمي مع أطراف خارجية، في سياق يتقاطع مع نهج الإخوان خلال العقود الماضية.

تدل شواهد متعددة، بينها مقاطع موثقة، إلى حجم النفوذ الذي تتمتع به هذه الكتائب داخل الجيش، إلى جانب اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين. كما ورد في بيان لوزارة الخارجية الأمريكية أن “مقاتلين مرتبطين بكتائب الإخوان نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين”.

في السياق ذاته، قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، إن الحرس الثوري الإيراني قدّم تدريباً ودعماً لمقاتلين مرتبطين بفصيل البراء التابع للإخوان، ما يؤكد تورطهم في انتهاكات جسيمة.

ويثير هذا الارتباط مخاوف متزايدة بشأن سلامة المؤسسة العسكرية نفسها. ويقول الضابط المتقاعد أحمد إدريس، إن تعيين العطا يعكس “حالة ارتباك داخل قيادة الجيش”، محذراً من أن ارتباطه بالكتائب الإخوانية قد يعرّض الجيش لمخاطر التصنيف كمنظمة إرهابية، وما يستتبعه من عقوبات تعيق تسليحه وتدريبه وتعاونه الدولي.

فرضية “الانقلاب الأبيض”

تمثل التعيينات والإعفاءات والترقيات التي أعلنها البرهان أوسع عملية تغيير في المناصب العليا منذ بدء الحرب، جاءت في سياق تنافس حاد داخل معسكره، بالتوازي مع محاولات تنظيم الإخوان تقليل تداعيات تصنيفه إرهابياً.

تصف الكاتبة الصحفية صباح محمد الحسن هذه التغييرات بأنها “انقلاب ناعم” تم بقبول من البرهان، الذي “لا يملك خيارات بديلة”، مشيرة إلى أن منصب رئيس هيئة الأركان يمنح شاغله نفوذاً قد يصل إلى حد التأثير على موقع قائد الجيش نفسه. وترى أن ما جرى يعكس صعود الإخوان إلى واجهة الحكم بغطاء عسكري، وسيطرتهم على المؤسسة العسكرية بتوقيع رسمي من قيادتها.

إعادة ترتيب موازين القوة

لفتت الحسن إلى تمهيد إعلامي سبق هذه الخطوة، حيث كثّفت منصات محسوبة على الإخوان من انتقاداتها للبرهان، ووصفت قيادته بالضعف، في سياق بدا وكأنه يهيئ الأرضية لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الجيش. وقالت، إن ما حدث لا يصب في مصلحة الجيش أو الدولة، بل يمثل “نسخة جديدة من تكتيكات الإخوان لإعادة التموضع داخل السلطة”.

لا تبدو التغييرات الأخيرة مجرد إعادة ترتيب تقني داخل هرم القيادة العسكرية، بقدر ما تعكس صراعاً عميقاً على هوية المؤسسة العسكرية ومستقبل السلطة في السودان. وبينما تحاول القيادة احتواء تصدعات معسكرها في ظل حرب مفتوحة، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه التوازنات الهشة إلى نقطة انفجار جديدة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لن يكون الصراع عسكرياً فحسب، بل سياسياً على شكل الدولة نفسها وحدود النفوذ داخلها.