تحدثنا عن أهم الكتب الفكرية والحركية التي أنتجتها جماعة الإخوان، ورؤيتها للسيطرة على الدولة وفق ما يعرف بـ”مشروع التمكين”. إلا أنها، وعقب سقوط مشروعها السياسي في 30 يونيو/حزيران، أصدرت مجموعة من الوثائق والرسائل التنظيمية التي سعت إلى تأصيل ما عُرف بـ”المقاومة الشعبية” و”العمل النوعي”، لتبرير استهداف مؤسسات الدولة، وإعادة توظيف مفاهيم مثل “دفع الصائل” و”الحرابة” و”الجهاد” خارج سياقاتها الفقهية.
اتجاه الإخوان إلى العنف المسلح عقب سقوط حكم الجماعة في 30 يونيو/حزيران 2013، لم يكن تحولاً في أدبيات التنظيم، وإنما امتداد طبيعي لمنهجية سيد قطب، في ظل الدراسات الفقهية والوثائق الحركية التي أصدرتها في تلك المرحلة، وشرعنة للعنف المسلح ضد مؤسسات الدولة المصرية، وفي مقدمتها “فقه الاختبار والمحن”، التي سطرها مفتي الإخوان، الدكتور عبد الرحمن البر، وكذلك وثيقة “فقه المقاومة الشعبية”، ووثيقة “دليل السائر ومرشد الحائر”، ووثيقة “كشف الشبهات.. عما وقع فيه الناس من اختلافات”.
وقد حملت وثيقة “فقه المقاومة الشعبية”، اسماً حركياً وهمياً لمؤلف يدعى، “أبو العز ضياء الدين أسد”، يشار إلى أنه محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية الإخوانية المسلحة، ودُونت عليه عبارة “أعدها للنشر.. باب محمود”، وهي إشارة صريحة لمحمود عزت، القائم السابق بأعمال مرشد الإخوان والقابع حالياً في السجون المصرية.
كذلك حملت وثيقة “كشف الشبهات.. عما وقع فيه الناس فيه من اختلافات”، اسماً وهمياً لمؤلف يدعى أبو عبد الله مسلم أبو محمد الأزهري، ومدون على غلافه الداخلي بيانات مزيفة حملت رقم إيداع بدار الكتب، (12584 لسنة 2014)، ودار “الأزاهرة” للطباعة والنشر.
أوردت هذه الوثائق الثلاثة الكثير من الانحرافات والمغالطات الفقهية في المنهجية الفكرية لجماعة الإخوان، معتبرة أن فترة رئاسة محمد مرسي، بمثابة ولاية شرعية دينية، ولا يجوز الخروج عليه أو عزله، في تدليس واضح من تحويل الأزمة السياسية إلى خلاف ديني عقائدي.
حتمية الصدام
استخدمت الوثائق تأصيلات شرعية منحرفة في وصف المشهد السياسي، من خلال اعتبار أن خروج المصريين ضد حكم الجماعة بمثابة خروج على الدين ذاته، وأن الدولة المصرية وقعت في قبضة الاحتلال والاستعمار، في محاولة للتدليس وتمرير ما يعرف بـ”العمل الثوري والنوعي”، على اعتبار أن النظام السياسي مغتصب.

فقه دفع الصائل
بيّنت الكتب الثلاثة في إطار الخلل المنهجي في الاستدلال الشرعي، أن الخارجين على حكم محمد مرسي، يُطبق عليهم “فقه دفع الصائل”، أي “فقه المعتدين”، موضحة: “الصائل يقتل إن لم يندفع شره إلا بالقتل، فالصائل يدفع شره بأقل الخسائر، فإن اندفع بالتذكير فلا ينبغي أن نتعداه إلى ما هو أكبر منه، وإلا فبالتهديد، وإلا بالضرب حتى ينحسم شره، وإن قتل فدمه هدر لأنه بدأ بالعداء”، في محاولة لشرعنة الحراك المسلح، مطالبة صراحة بقتل ضباط الشرطة، وأنه على القاتل أن لا يجد حرجاً في ذلك: “فإن من قتل الضباط الذين جاءوا لاعتقاله وكسروا عليه الأبواب ظلماً فلا حرج عليه”.
حد الحرابة
تهويناً للدماء، أوضحت كتب الإخوان، أن “حد الحرابة” يجب أن ينفذ فيمن خرجوا على مرسي، بقطع أيديهم وأرجلهم، معتبرة أن ما وصفته بالمقاومة الشعبية والثورية لإسقاط مؤسسات الدولة المصرية لا حرج فيه حتى لو تضمن ذلك إهدار أموال الفقراء واليتامى والمساكين، أو إتلاف وتخريب شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وجواز قطع التيار الكهربائي عن المستشفيات العامة، بهدف إحراج ومحاصرة النظام السياسي.
لافتة كذلك إلى أن الانتقال للعمل النوعي لا يعد تغييراً في منهج الجماعة، وأن “السلمية ليست من ثوابت الإسلام وليست من ثوابت الجماعة، وأن النزعة الجهادية استقرت كعقيدة في صلب منهجية حسن البنّا”، لأن القوة جزء من منهجية الإخوان كما قال البنّا في رسالة المؤتمر الخامس: “الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها”.
التحريض ضد الأقباط
تضمنت الصفحة 107 من كتاب “دليل السائر ومرشد الحائر”: فتوى تحرض على قتال واستهداف الأقباط باعتبار أنهم تعاونوا مع الخارجين على حكم الجماعة، كما أوردت الصفحة 140، من الكتاب فتوى تحرم الالتحاق بالقوات المسلحة، وأداء الخدمة العسكرية الوطنية، وتوجب قتال قياداتها، والامتناع عن سداد فواتير الكهرباء والمياه والغاز، وتجيز تدمير اقتصاد الدولة.
قدمت هذه الأدبيات والوثائق الحركية التي أنتجتها جماعة الإخوان بعد عام 2013، دليلاً قوياً على أن العنف لم يكن مجرد رد فعل سياسي عابر، وإنما امتداد فكري ومنهجي مترسخ داخل بنية الجماعة، فضلاً عن أنها لم تكتفِ بتبرير العنف، بل سعت إلى إضفاء غطاء شرعي على استهداف مؤسسات الدولة، وتحويل الخلاف السياسي إلى معركة دينية، يتم في مقتضاها فتح الباب أمام الفوضى والاقتتال الداخلي.















