تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

كتاب

محمد الحداد يستعيد إرث أركون في كتاب جديد.. ويعيد قراءة مشروع “نقد العقل الإسلامي”

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

بعد نحو ستة عشرة عاماً من رحيله، ما زال المفكّر الجزائري محمد أركون (1928-2010) يُثير الأسئلة و”يحرّك السواكن”، إذ صدر في تونس منذ أيّام كتاب جديد يتناول منجزه الفكري بعنوان “المدخل إلى فكر محمد أركون مع ذكريات وأحاديث”، للدكتور محمد الحدّاد، أحد طلبته في جامعة السوربون الفرنسية.

كان محمد الحداد قد حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون تحت إشراف محمد أركون، ويرى أن إصدار هذا الكتاب يأتي “وفاءً لدين قديم تجاه الأستاذ”. وتتداخل في الكتاب ذكريات المؤلف الشخصية مع قراءة المنجز الفكري لأركون، الذي اكتشفه الحدّاد، كما يشير في مقدمته، في بدايات الشباب من كتابه Critique de la raison islamique المعروف عربياً بـ “نقد العقل الإسلامي”.

محطة فارقة

يقول الحداد عن هذا الكتاب: “كان هذا الكتاب إحدى المحطات الفارقة في حياتي”، إذ “ثوّر نظرتي إلى الأيديولوجيا، إلى التراث، إلى الحداثة”، وبسببه وضع الباحث لنفسه “برنامجاً” للمساهمة في نقد العقل الإسلامي، يبدأ من التراث، ثم ينتقل إلى الحداثة، قبل أن ينفتح لاحقاً على المناهج الحديثة التي ذكرها أركون في كتابه، ومن بينها علم الأديان.

في الكتاب، يغوص الحدّاد في المسار الفكري لأستاذه الذي ربطته به علاقة صداقة طويلة على امتداد سنوات، ويرى أن أركون لم يحظ بالمكانة التي يستحقها لأنّه لم يكتب في بداياته بالإنجليزية وهو ما حرمه من القراء خارج الفضاء الفرنكفوني.

ويتوقف عند نقطة منهجية في قراءة أركون، على خلاف عدد ممن تناولوا منجزه الفكري، قائلاً: “لقد لاحظت أن بعض الباحثين يميل أحياناً إلى قراءة أركون في ضوء السياق الحالي، وهو سياق يختلف جذرياً عن ذاك الذي بدأ فيه أركون مشروعه الفكري ثم طوّره”. ويعتبر أن المشروع الفكري لأركون ليس رداً على الإسلام السياسي بل “كان مشروعاً فكرياً يتنزّل ضمن الخصومة بين المحافظين والمجدّدين في العلوم الإنسانية والاجتماعية”.

وتضمّن كتاب “المدخل إلى فكر محمد أركون” ملحقاً قدّم فيه الحدّاد ترجمة جديدة لمقال صدر سنة 1976 بعنوان “من أجل إسلاميات تطبيقية”. واعتبر الحدّاد أن هذا النص هو بمثابة الإعلان عن المشروع الفكري لأركون كما أشار إلى أنّ الترجمة الأولى التي أنجزها الأستاذ هاشم صالح تخلّلها “هنات كثيرة”.

مسار فكري

وكشف الحدّاد في نص ثانٍ ضمن باب الملاحق عن نصّ كتبه أركون لكنّه لم ينهه، وهو واحد من “مجموعة النصوص لم تبلغ صيغتها النهائية”. ويقول عن هذه المرحلة التي أصيب فيها أستاذه بالمرض: “كنت أُلحّ على أركون أن يكتب كتاباً مبسّطاً يعرض فكره بصفة تأليفية، لكنّه كان يحتجّ بضيق الوقت”، وهذا النص الذي كتبه أركون بالفرنسية وترجمه الحداد بعنوان “محمد أركون… بضمير الغائب” هو آخر ما كتب “وهو أطول نص يعرض فيه مساره الفكري من البداية إلى النهاية”.

تناول الكتاب أيضاً أسس مشروع محمد أركون. ويعتبر الحدّاد “أن تأثير أركون في دراسات الإسلام، سواء في نجاحاته أو إخفاقاته، يُذكّر بالدور الذي اضطلع به غيوم بوستيل في القرن السادس عشر، ذاك المثقّف الإنسانوي الذي سعى إلى التعالي عن الحروب الإسلامية المسيحية وعن الانقسامات والحروب الدينية داخل المسيحية نفسها، ليحاول تأسيس فكر إنسانوي كوني”.

ويرى الحدّاد أن فهم مشروع أركون يقتضي “تنزيل الموضوع الإسلامي في صلب العلوم الأنسانية والأجتماعية”. 

محمد الحدّاد لا يعتبر كتابه هذا دراسة لفكر أركون، بل مجرد مدخل يضع بين يدي القارئ “مفاتيح” لفهم هذه المدونّة الفكرية المهمة على حدّ عبارته، وقد قسّم الكتاب إلى مجموعة من الفصول وهي: ذكريات وأحاديث، وهو الفصل الذي ضَمنّه سيرة أركون من الطفولة في قرية صغيرة في منطقة القبايل في الجزائر وصولاً إلى السوربون، تتخلّلها ذكرياته الشخصية معه ومع فكره ثمّ “كيف نقرأ أركون؟”، و”الإسلاميات التطبيقية”، فصل تناول فيه السِّمات البارزة لمشروع أركون و”الأنسنة” و”نقد العقل الإسلامي” و”الظاهرة القرآنية” و”العقل المتطلّع” و”الإصلاح أم التثوير” إلى جانب الملاحق.

ويضيف الدكتور محمد الحدّاد بهذا الكتاب حلقة جديدة في منجزه الفكري والأكاديمي، وهو يعدّ من أبرز الجامعيين التونسيين المتخصّصين في علم الأديان، وخلال أكثر من ثلاثين عاماً بين الجامعة التونسية والسوربون أصدر مجموعة من الكتب حول الفكر الإصلاحي مثل “محمد عبده قراءة جديدة في الخطاب الإصلاحي الديني”، و”حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي”، و”علمنة الإصلاح الديني” المتوج بجائزة معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأخيرة.

 

الكتاب: المدخل إلى فكر محمد أركون مع ذكريات وأحاديث 

الناشر: دار محمد علي الحامي، تونس؛ الانتشار العربي بيروت – Apic éditions الجزائر 

عدد الصفحات: 284 صفحة

الثمن: 25 ديناراً تونسياً