بعد ربع قرن من غيابه، عاد الفنان التشكيلي والمسرحي الحبيب شبيل (1936-2004) إلى واجهة المشهد الثقافي من خلال معرض استعادي وكتاب فني بعنوان “الحبيب شبيل: انبثاق الجسد.. مسارات بين الركح واللوحة”، أعدّه الأكاديمي والفنان التشكيلي سامي بن عامر (العميد السابق للمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس).
يجمع الكتاب مجموعة من الشهادات حول تجربة شبيل إنساناً وفناناً، مع عرض للوحاته التي تقتنيها وزارة الشؤون الثقافية التونسية، والتي تلخص المسار البصري والدرامي لفنان تُعدّ تجربته استثناءً في المشهد الثقافي المحلي.
تكوين عابر للحدود
ولد شبيل سنة 1936 في مدينة منزل بورقيبة (شمال)، التحق غداة استقلال البلاد سنة 1956 بمدرسة الفنون الجميلة بمدينة نيس الفرنسية، ومنها عاد إلى تونس ليستكمل دراسته في مدرسة الفنون الجميلة بتونس، والتحق بعد ذلك بالعاصمة الفرنسية باريس ليعود للتدريس في مدرسة الفنون الجميلة بتونس التي تخرّج فيها أجيال من طلبته، وينخرط بداية من سنة 1976 في تجربة مسرحية كاتبًا ومخرجًا ومصمّم سينوغرافيا، وكانت تجربته الأولى بمسرحية “القانون” نصًا وإخراجًا، وتتالت تجاربه بعد أن أسّس فرقة “المسرح المثلث” التي يعدّها النقّاد ومؤرخو المسرح التونسي من أبرز التجارب المسرحية في تونس على مدى تاريخ المسرح التونسي، ومن هذه الفرقة تخرّج عدد من الممثلين والتقنيين الذين أصبحوا من نجوم المسرح والدراما فيما بعد مثل المرحوم فتحي الهداوي وكمال التواتي وزهيرة بن عمّار وصباح بوزويتة وسليم الصنهاجي (المدير الحالي لأيّام قرطاج المسرحية) وغيرهم.
إلى جانب أعماله المسرحية (كاتب؛ مخرج، مصمم ديكور، سينوغرافيا..) درّس شبيل في المعهد العالي للفن المسرحي بتونس وتخرّج على يديه عشرات المسرحيين الشباب الذي يدينون له بالانفتاح على التشكيل والصورة، كما نظّم معارض في تونس وباريس والقاهرة والجزائر وغيرها، وأقام في الحي الدولي للفنون بباريس وحاز جائزة الفرنكفونية في كندا 1994 وجائزة بلدية تونس العاصمة 1992.
فلسفة الجسد واللوحة
هذا الكتاب الفني يأتي لينصف هذا الفنان الخارج عن السرب الذي سبح في المياه النادرة؛ وهو ما جعل من تجربته ذات عمق مرجعي سواء في الفن التشكيلي أو في المسرح، “الفن، بالنسبة إليه، تجربة داخلية وحساسية تقود النظر إلى الأشياء والجسد والفضاء”. ومن هنا تبدو لوحاته امتدادًا لهذا الموقف، حيث يتشكل الفضاء من تفاعل اللون والضوء، وتنبثق الأجساد والأغراض بأحجام من هذا التفاعل، لتتحول اللوحة إلى مجال للحضور وإنتاج المعنى (سامي بن عامر: حين تصبح اللوحة فضاءً لظهور الجسد). ويعود بن عامر الذي رافق شبيل طيلة سنوات طالبًا وزميلًا في الجامعة والفن إلى بدايات الحبيب شبيل، ويعتبر أن هذا المعرض/الكتاب الاستعادي الذي يحمل عنوان “انبثاق الجسد” يمثل “مسارًا تشكيليًا عبر عقود من البحث والعمل”، ومثّل هذا المعرض الذي يضمّ مجموعة من مقتنيات الدولة بداية من الستينيات من القرن الماضي إلى حين وفاته “فرصة نادرة لإعادة قراءة تجربته عبر الزمن، والكشف عن التحولات التي عرفتها لغته التشكيلية”.
كتب الدكتور الحبيب بيدة (جامعي، فنان تشكيلي) عن “عوالم الحبيب شبيل الخفيّة والمخفيّة” والذي رأى أن “ما يمتاز به الحبيب شبيل، ربّما هو سبب مأساته الفنية”. وفي تناول مساره التشكيلي أيضا كتب الدكتور خليل قويعة (جامعي وفنان تشكيلي) عن “إيقاعات الحياة في الفضاء التصويري”.
في السياق نفسه، كتب الدكتور فاتح بن عامر (عميد المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس وفنان تشكيلي) عن “تشكيلية المتوحّد الحالم”، وكتب الدكتور رشيد الفخفاخ (جامعي وفنان تشكيلي) “تأملات في أعمال الحبيب شبيل الفنيّة”.
مدرسة شبيل المسرحية
هذا الكتاب لم يهمل الجانب المسرحي في مسيرة شبيل من خلال شهادتين لتلميذين من تلاميذه من نجوم المسرح والدراما في تونس اليوم، وهما زهيرة بن عمّار التي كتبت عن “الإنسان والفنان” والتي تعتبر أن شبيل لا نظير له “لم يسبق لأحد أن حمل الريشة إلى الركح كما فعل هو، لم يرسم أحد جسدًا مسرحيًا برؤية فنّان تشكيلي كما فعل هو”، واعتبرته مدرسة لوحده.
وهو نفس المسار الذي اختاره علاء الدين أيّوب في حديثه عن إضافة شبيل في المسرح الذي اعتبر في شهادته “هل للحبيب شبيل إضافات في المسرح التونسي؟”، أن مسرح شبيل من البداية كان ضد السّائد والمعتاد والسؤال هو جوهر المشروع المسرحي للحبيب شبيل.
هذا الكتاب والمعرض الاستعادي الذي احتضنته دار الفنون والندوة الفكرية التي نظّمها المسرح الوطني، هي مبادرة لاستعادة تجربة الحبيب شبيل الذي اختار أن يكون في حياته فنانًا متوحّدًا بعيدًا عن الأضواء، عاش من أجل الكتابة والمسرح والرسم وكأنه متصوف في محراب الفن. وهذا الكتاب سيتيح فرصة لطلبة المسرح والفنون الجميلة لاكتشاف قامة عالية في المسرح والفن التشكيلي على السواء.
الكتاب: لحبيب شبيل
انبثاق الجسد مسارات بين الركح واللوحة
النوع: كتاب فني فاخر
عدد الصفحات: 111 صفحة
التأليف: جماعي (إشراف وتنسيق الدكتور سامي بن عامر)
الناشر: دار الفنون، المسرح الوطني، إدارة الفنون الجميلة (وزارة الشؤون الثقافية)














