مثّلت كتابات الباحث التونسي أنس الشابي (1953) منذ ثمانينات القرن الماضي، وثيقة أساسية في دراسة الجماعات الإسلامية، وخاصة حركة النهضة “الفرع التونسي من تنظيم الإخوان المسلمين”، وهو ما جعله المطلوب رقم واحد لهذه الجماعات التي وصلت إلى التحريض عليه في أكثر من مناسبة.
يُعد كتابه “من الجماعة الإسلامية إلى حركة النهضة أقنعة بلا أقنعة”، الصادر عن دار (أركاديا تونس 2025) للنشر، وثيقة أساسية حول تاريخ الإخوان في تونس، منذ النشأة وحتى الوصول إلى سدّة الحكم.
في هذا الحوار، الذي أجراه معه موقع “غلوبال ووتش عربية”، يتحدٌث الشابي عن حقيقة حركة النهضة وشعاراتها الديمقراطية، وتحالفها مع بعض اليساريين في تونس.
– أمضيتَ حوالي نصف قرن تقريباً في دراسة الحركات الإسلامية وتفحص وثائقها وبياناتها، هل توجد خصوصية لحركة النهضة التونسية بينها؟
– أنس الشابي: الحديث عن خصوصيّة تنظيم ما، يستلزم النظر في الجانب الفكري والبحث عن إضافات نظرية أو إبداعية أو فكرية تُحسب لهذا التنظيم. وفي حالة حركة النهضة، التي مرّ على تأسيسها ما يفوق النصف قرن، نجد أن محصلتها في هذا الجانب أقرب إلى الصفر، إن لم تكن صفرية بالكامل. الحركة لم تُنتج لنا نصوصاً حفّزت نقاشات أو حوارات فكرية، كما أن الإبداع الفني منعدم لديها. ولا يوجد من النخب التونسية من يُصرح بانتمائه لها، أو بفضلها ومساهمتها في بروز هذا الاسم أو ذاك. يكفي أن نذكر أن الحركة لمّا استلمت الحكم في تونس بعد عام 2011، خفّضت ميزانية وزارة الثقافة، وحولتها إلى وزارة الشؤون الدينية، كما هاجم منتسبيها المسرحيّين والسينمائيّين، وكفّروا الكتّاب.
أما من الجانب العملي، فيمكن القول بأن الحركة تميزت بقدرة كبيرة على مغالطة التيارات السياسية الأخرى. فرغم أنها تيار ديني يقوم أساساً على تكفير المخالف، حرصت “النهضة” على مخاطبة هذه التيارات بما تود سماعه، ولو كان ذلك مخالفاً لعقيدتها. لتقطف بذلك ثمار هذه المغالطة، عبر بيانات مشتركة تضعها ضمن التيارات السياسية التي تناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وغير ذلك. بالتالي، فإن حركة النهضة، لم تُعط أي إضافة، بل على العكس عاشت وتعيش على المدوّنة الإخوانية المصرية.
– العنف والتنظيم السري من أبرز سمات الحركات الإسلامية، هل يمكن الحديث عن تخلي حركة النهضة عن الأجهزة السرية، أو الانخراط في المشروع الديمقراطي كما يروج لها بعض اليساريين؟
– ما يجب الانتباه إليه، أنّ العنف لدى الحركات الإسلامية ليس شبيهاً بأشكال العنف الأخرى التي نراها في الحروب أو الجرائم أو مقاومة الاستعمار. العنف لديها مرتبط بالعقيدة، أي أن فاعله مأمورٌ به ومثابٌ عليه إن فعله، ومعاقب إن تخلى عنه. وهو ما اصطُلح على تسميته بالجهاد، أي الفريضة الغائبة كما سماها محمد عبد السلام فرج. على هذا الأساس فإن التنظيمات السرية والأجهزة الخاصة تُعد مظهراً من مظاهر الإيمان، شأنها شأن العبادات تماماً، كالصلاة والزكاة والحج وغيرها. لذا حرصت كل حركة إسلامية على وجود هذا النوع من الأجهزة السرية، و”النهضة” أسّستها منذ البدايات لمراقبة منتسبيها منعاً للاندساس من ناحية، وجمعاً للمعلومات عن المخالفين من ناحية أخرى، وبقيت محافظة على تنظيمها السري حتى وهي في الحكم. وقد تكفّل المحامون بفضح هذه الأجهزة، بعد الاغتيالات السياسية التي طالت مواطنين تونسيين.
أما بالنسبة للمشروع الديمقراطي، فمن يدّعي أن الإسلاميين يمكن أن ينخرطوا في الديمقراطية كمسار فهو جاهلٌ أو عميل. لأن الديمقراطية أداة إنسانية للحكم تستلزم القبول والرفض والحوار والوسطية، بينما الحركات الدينية تقوم على العقيدة، فإما أن يكون المنتسب مؤمناً أو كافراً، والمتأمل في الرؤية الفكرية لحركة النهضة يلحظ ذلك جلياً. فما معنى أن يكون الإيمان بالملائكة جزءاً من برنامج سياسي لحركة سياسية؟ في المحصلة، ما يصدر عن بعض اليساريين من تنسيق ودعوة إلى التحالف على قاعدة سياسية مع الحركات الدينية، هو نوع من التحايل على مصالح الأمة في سبيل جني مكاسب خاصة آنية.
– منذ 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005، تأسس تحالف واسع بين “اليساريين” و”الإخوان”، ظهر بوضوح عبر ما سُمي بـ “جبهة الخلاص”، كيف تقرأ هذا التحالف؟
– هو تحالف ضدّ المنطق والتاريخ ومآله إلى زوال، كونه مبنيّ على أسس هشّة. الحركة الإسلامية تحكمها العقيدة أولاً، التي لا تقبل التنازل أو التفاوض. انظر إلى مجلة الأحوال الشخصية، تخالف العقيدة في بعض أحكامها، لذا ترفضها حركة النهضة، وإن أبدت غير ذلك. ادّعت الحركة الموافقة أيام كانت مع جماعة 18 أكتوبر، لكنها لمّا استلمت الحكم بعد سنة 2011، نفضت يدها ممّا أمضت عليه سابقاً.
ودعت جمعياتها ومنتسبيها إلى المطالبة بتغيير المجلة، وهو ما دفع بحمة الهمامي، أحد قادة تحالف 18 أكتوبر، إلى استجداء الحركة، وتذكيرها بإمضائها في مقال شهير بجريدة “المغرب”. لذا، هي تحالفاتٌ بلا معنى، لأن للحركة ثوابت لا تحيد عنها، وإن ظهر خلاف ذلك فهو أمرٌ مؤقت يشبه الانحناءة إلى أن تزول العاصفة.
– صعود الإخوان إلى الحكم في بلدان “الربيع العربي”، هل كان نتاج الحراك الديمقراطي، أم وفق رغبة دولية لتمكينهم من الحكم بعد إخفاق الدولة الوطنية؟
– من خلال المذكرات والتصريحات وما رشحَ من معلومات، اتضح أن ما سُمي بـ “الربيع العربي” لم يُخلق إلا تنفيذاً لأجندة استهدفت القضاء على الأنظمة الوطنية في المنطقة وتمكين الحركات الإسلامية من الحكم. وحتى في هذه المهمة التي كُلّفت بها فشلت، فالبلاد التي استلمتها منيعة وقوية، حوّلتها، لسوء إدارتها، إلى خراب وفوضى وشعبوية. باستثناء مصر، التي حماها جيشها من السقوط.
– كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي اليوم بعد وصول جبهة النصرة إلى حكم سوريا، البلد المتعدد؟
– لا مستقبل للإسلام السياسي، لأنّه يخالف المنطق والتاريخ والإنسانية والعلم، فكما تخلصت البشرية من الحكم الثيوقراطي المطلق وقهر الكنيسة، سوف تتخلص من الإسلام السياسي. الأمر مسألة وقت فقط، لأن القيم الإنسانية ستسود وتنتشر ولو ببطء.
سيرة موجزة
يُعد أنس الشابي من أغزر الباحثين التونسيين إنتاجا فيما يتعلق بتاريخ حركات الإسلام السياسي والفكر الإصلاحي التونسي. تخرج من كلية الشريعة وأصول الدين (أصبحت تعرف فيما بعد بجامعة الزيتونة) أواخر سبعينات القرن الماضي، وانتمى لفترة إلى الحزب الشيوعي التونسي، وكان عضوًا في هيئة تحرير جريدته الرسمية “الطريق” قبل أن يعتزل العمل السياسي.
أصدر مجموعة من الكتب نذكر منها: مذكرات رقيب كتاب – زيتونيون معاصرون في خضم معارك التنوير – من الجماعة الإسلامية إلى حركة النهضة: أقنعة بلا أقنعة -السرقات الأدبية في تونس، وغيرها.















