بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب معاصر

هجوم سان دييغو: الإرهاب الرقمي وصناعة الكراهية.. كيف أعادت الأيديولوجيات المتطرفة تشكيل تهديدات الأمن الغربي؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تكشف الهجمات التي تستهدف دور العبادة في الغرب عن تحولات عميقة في طبيعة الإرهاب المعاصر، الذي لم يعد مرتبطاً فقط بالتنظيمات المسلحة التقليدية، بل بات يتخذ أشكالاً أكثر تفككاً وتعقيداً، يقودها أفراد ومراهقون يتشبعون بخطابات الكراهية عبر الفضاء الرقمي. في موازاة تصاعد التطرف اليميني في الغرب، أسهمت بعض تيارات الإسلام السياسي المتشددة، وعلى رأسها “جماعة الإخوان المسلمين”، في ترسيخ مناخات الانقسام العقائدي والاستقطاب الفكري، عبر خطاب يقوم على احتكار الحقيقة الدينية وتقسيم المجتمعات إلى معسكرات متقابلة.

على الرغم من اختلاف المرجعيات بين اليمين العنصري والتيارات الإسلامية المتشددة، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في تحويل الاختلاف الديني والثقافي إلى أرضية للصدام والكراهية.

في هذا السياق، جاء الهجوم الدموي الذي استهدف المركز الإسلامي في مدينة سان دييغو الأمريكية في 18 مايو 2026، ليعيد فتح ملف التطرف العنيف داخل المجتمعات الغربية. فالهجوم، فقد أسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة أشخاص قبل أن يقتل المشتبه بهما نفسيهما، وفق تحديثات شرطة سان دييغو. وتحقق السلطات في الحادث باعتباره جريمة كراهية. 

ولا يمكن اعتباره حادثاً جنائياً معزولاً، بل حلقة جديدة ضمن موجة متصاعدة من جرائم الكراهية ذات الخلفيات العقائدية.

الإرهاب اليميني والتطرف الفردي 

شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في العمليات المرتبطة بأفراد أو جماعات تتبنى أفكار القومية البيضاء ونظريات التفوق العرقي. وتشير تقارير أمنية أمريكية إلى أن خطر الإرهاب المحلي بات في بعض الأحيان يتجاوز تهديد التنظيمات الخارجية، خصوصاً مع الانتشار الواسع للخطابات التحريضية عبر الإنترنت.

يعكس هجوم سان دييغو هذا التحول بوضوح؛ إذ إن استهداف مركز ديني إسلامي قبيل أوقات الصلاة يكشف عن نية متعمدة لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا وبث الرعب داخل المجتمع المسلم. كما أن الرسائل التي تركها المنفذان تنسجم مع خطاب أيديولوجي يصور المسلمين والمهاجرين باعتبارهم “خطراً وجودياً” على الهوية الغربية.

هذا النوع من الإرهاب لا يعتمد على هياكل تنظيمية معقدة، بل يقوم على “التطرف الفردي” الذي يتشكل داخل البيئات الرقمية المغلقة، حيث تتحول نظريات المؤامرة وخطابات التفوق العرقي إلى مبررات للعنف. ومن أبرز هذه السرديات ما يعرف بنظرية “الاستبدال العظيم”، التي تزعم وجود مخطط لإحلال المسلمين والمهاجرين محل السكان البيض، وهي الفكرة ذاتها التي استند إليها عدد من منفذي الهجمات الإرهابية في الغرب خلال السنوات الماضية.

من كرايستشيرش إلى سان دييغو

لا يأتي هجوم سان دييغو من فراغ، بل يندرج ضمن سلسلة من الاعتداءات الإرهابية التي استهدفت دور العبادة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها مجزرة مسجدي كرايستشيرش في نيوزيلندا في عام 2019، عندما قتل متطرف أبيض 51 مصلياً بدوافع عنصرية مشابهة. كما يستحضر الحادث اعتداء كنيس “شجرة الحياة” في بيتسبرغ في العام 2018، والهجوم على كنيسة تشارلستون في 2015.

القاسم المشترك بين هذه العمليات أن منفذيها لم يكونوا أعضاء في تنظيمات هرمية تقليدية، بل أفراداً تشبعوا بخطابات الكراهية عبر الإنترنت، واعتبروا أنفسهم جزءاً من “حرب حضارية” ضد الأقليات الدينية والعرقية. وهذا ما يكشف حجم التحول الذي طرأ على مفهوم الإرهاب المعاصر؛ إذ بات التطرف ينتج نفسه رقمياً ويتجاوز الحدود الجغرافية والتنظيمية بسهولة غير مسبوقة.

التطرف العابر للأيديولوجيات

على الرغم من أن هجوم سان دييغو يرتبط مباشرة بالإرهاب اليميني المعادي للمسلمين، فإن فهم ظاهرة التطرف يفرض النظر أيضاً إلى البيئات الفكرية التي أسهمت في إنتاج مناخات الانغلاق والكراهية داخل مجتمعات مختلفة.

في هذا الإطار، يبرز الجدل حول الدور الذي لعبته بعض تيارات الإسلام السياسي المتشددة، وفي مقدمتها “جماعة الإخوان المسلمين”، في تشكيل بيئات فكرية مهدت بصورة غير مباشرة لظهور تيارات أكثر راديكالية. فالجماعة، على الرغم من تقديم نفسها كحركة دعوية وسياسية، تعرضت لانتقادات واسعة بسبب الخطاب القائم على تقسيم المجتمع بين “ملتزمين” و”غير ملتزمين”، إضافة إلى مفاهيم مثل “الحاكمية” و”الجاهلية” التي تحولت لاحقاً إلى مرجعيات استندت إليها تنظيمات متطرفة مثل تنظيمي “القاعدة” و”داعش” الإرهابيين لتبرير العنف والصدام مع الدولة والمجتمع.

وعلى الرغم من الفروقات التنظيمية والسياسية بين “جماعة الإخوان” والتنظيمات المسلحة، فإن العديد من الباحثين يرون أن التطرف لا يبدأ دائماً بالسلاح، بل قد ينطلق من خطاب أيديولوجي مغلق يقوم على الإستعلاء الفكري ورفض التعددية. ومع الأزمات السياسية والانقسامات الاجتماعية، يصبح بعض الشباب أكثر قابلية للانتقال من التعبئة الفكرية إلى العنف المباشر.

المراهقون والتجنيد الرقمي

يثير تورط مراهقين في هجوم سان دييغو تساؤلات عميقة حول البيئة الاجتماعية والنفسية التي تدفع الشباب نحو التطرف. فالعزلة الاجتماعية، والشعور بالتهميش، والاضطرابات النفسية، تشكل عوامل تجعل بعض المراهقين فريسة سهلة للمحتوى المتطرف على الإنترنت.

ومع غياب الرقابة الفعالة، تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات تعبئة أيديولوجية، حيث يتم استغلال الغضب والإحباط لإقناع الشباب بأن العنف هو السبيل الوحيد “للدفاع عن الهوية” أو “إنقاذ المجتمع”. كما يسهم الخطاب السياسي والإعلامي المتشدد في شرعنة الكراهية بصورة غير مباشرة، عندما يتم ربط الهجرة أو التنوع الثقافي بمفاهيم الانهيار الحضاري والخطر الأمني.

معركة تتجاوز الأمن التقليدي

تكشف حادثة سان دييغو أن مواجهة الإرهاب لم تعد مسألة أمنية فقط، بل أصبحت معركة فكرية وثقافية وتشريعية. فالإجراءات الأمنية حول دور العبادة، على الرغم من ضرورتها، لا تكفي وحدها لمنع تكرار هذه الهجمات، ما لم تترافق مع استراتيجيات شاملة لتجفيف منابع التطرف وخطابات الكراهية.

وتبرز الحاجة إلى تشديد قوانين حيازة السلاح في الولايات المتحدة، خصوصاً مع سهولة وصول المراهقين إلى أسلحة ذات قدرات تدميرية عالية. كما تبدو شركات التكنولوجيا مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر في مراقبة المحتوى المتطرف ومنع تحويل منصاتها إلى أدوات للتجنيد والتحريض.

في المقابل، تحتاج المجتمعات الغربية والعربية معاً إلى إعادة ترميم خطاب التعايش والتعددية، لأن ترك الكراهية تنمو داخل الهوامش الرقمية والسياسية سيؤدي إلى مزيد من الدماء؛ فالإرهاب، سواء ارتدى عباءة القومية البيضاء أو تستر بالشعارات الدينية، يبقى تهديداً مباشراً للاستقرار الإنساني وقيم التعايش والانفتاح.

إن دماء الضحايا على عتبات المركز الإسلامي في سان دييغو ليست مجرد مأساة محلية عابرة، بل إنذار جديد بأن التطرف، بكل أشكاله، بات قادراً على إعادة إنتاج نفسه داخل المجتمعات الحديثة بسرعة مقلقة، مستفيداً من الانقسام السياسي والفوضى الرقمية وخطابات الكراهية العابرة للحدود.