بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حروب الهوية (1-2)

كيف حوّلت سياسات “الأمننة” الجاليات المهاجرة في الغرب من شركاء اجتماعيين إلى مجتمعات مشتبه بها؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في عالم تتآكل فيه المفاهيم الكلاسيكية للحدود والسيادة تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، لم تعد الجاليات المهاجرة في العواصم الغربية تُقارب باعتبارها فاعلاً اجتماعياً-اقتصادياً يسعى إلى الاندماج والمشاركة، بل بات يُنظر إليها، في حالات متزايدة، بوصفها مسألة أمنية أو ساحة اشتباه دائم. والمفارقة أن هذا التحول لم يكن استجابة حتمية لتهديدات خارجية بقدر ما كان نتاج خيارات سياسية داخلية أعادت تعريف التنوع من زاوية أمنية ضيقة.

منذ هجمات 11 سبتمبر، تبنّت دول غربية عدّة مقاربة تقوم على مفهوم “أمننة” الهجرة والاندماج، بحيث أصبحت مكافحة الإرهاب الإطار المرجعي المهيمن في التعامل مع مجتمعات كاملة. الجزء الأول من سلسلة “حروب الهوية” يتتبع كيف أدّى هذا الاختزال إلى نتائج عكسية: تآكل الثقة بين الدولة والجاليات، إنتاج ما يُعرف بـ”المجتمعات المشتبه بها”، وخلق فراغ استراتيجي أضعف قدرة الدول نفسها على فهم المخاطر الحقيقية والتعامل معها بفعالية.

من “الراعي” إلى “الرقيب” 

لم يكن التحول في مقاربة الهجرة والاندماج حدثاً مفاجئاً، بل مساراً تراكمياً تسارع مع الصدمات الأمنية الكبرى. فمنذ مطلع الألفية، أُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والتنوع الثقافي من منظور وقائي–أمني، جرى فيه التعامل مع الاختلاف بوصفه مخاطرة محتملة تستدعي إدارة استباقية، لا ظاهرة اجتماعية تتطلب سياسات إدماج طويلة الأمد.

الأخطر في هذا التحول أنه رسّخ افتراضاً ضمنياً مفاده أن الخطر كامن في الهوية لا في السلوك الفردي. فالمهاجر، ولا سيما المسلم، لم يعد يُقارب كمواطن أو مقيم بحقوق وواجبات، بل كملف أمني محتمل يُطالَب باستمرار بإثبات براءته المدنية. هذا الانقلاب في عبء الإثبات يقوّض أحد أعمدة الدولة القانونية: المساواة أمام القانون وافتراض البراءة.

انعكس هذا المنطق مباشرة على الحياة اليومية، ولم يبقَ محصوراً في الأطر الاستخباراتية. فالتوقيفات والتفتيشات القائمة على التنميط، والتعامل الأمني المتكرر مع الفضاءات العامة، غذّت شعوراً متزايداً بالاغتراب والظلم. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشعور من تجربة فردية إلى وعي جمعي يعيد تعريف علاقة الجاليات بالدولة ومؤسساتها.

وتُظهر بيانات وكالة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي أن نسباً كبيرة من المستجيبين أفادوا بتعرضهم للتمييز الممنهج على أساس الخلفية العرقية أو الدينية، خصوصاً في مجالات التوظيف والخدمات العامة، وهي مؤشرات لا يمكن فصلها عن مناخ الاشتباه العام.

عندما تصبح الهوية تُهمة

يستخدم علماء الاجتماع مصطلح “المجتمعات المشتبه بها” (Suspect Communities) لوصف الحالة التي تُعامل فيها جماعة سكانية كاملة بوصفها تهديداً محتملاً، استناداً إلى الهوية لا إلى السلوك الفردي. وقد استُخدم هذا المفهوم تاريخياً في سياقات أخرى، قبل أن يُعاد توظيفه اليوم لفهم واقع قطاعات واسعة من المجتمعات المسلمة والمهاجرة في الغرب.

في هذا الإطار، يُقدَّم برنامج “Prevent” في المملكة المتحدة مثالاً دالاً. فرغم تسويقه كأداة وقائية، واجه البرنامج انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وأكاديمية، ترى أنه وسّع دائرة الاشتباه وحوّل مؤسسات التعليم والرعاية الاجتماعية إلى نقاط رصد، ما أدى إلى وصم جماعي بدل بناء الثقة.

هذا الوصم لا يضر بالجاليات وحدها، بل يخدم، بصورة غير مباشرة، سرديات الجماعات المتطرفة التي تزعم وجود عداء بنيوي بين الدولة والمجتمع المسلم أو المهاجر. وبهذا المعنى، تتحول بعض سياسات مكافحة التطرف، من دون قصد، إلى عامل يغذّي شروطه الاجتماعية، دون أن يعني ذلك تبرير العنف أو التقليل من خطورته.

البارانويا الاجتماعية

الأثر الأعمق لسياسات “الأمن” هذه لا يتمثل فقط في توتير العلاقة بين الدولة والجاليات، بل في نقل منطق الاشتباه إلى داخل هذه الجاليات نفسها. فعندما يشعر الأفراد بأنهم مراقَبون على نحو دائم، تتآكل الثقة البينية ويضعف رأس المال الاجتماعي، وهو عنصر حاسم في أي عملية اندماج أو وقاية مجتمعية.

شهادات ميدانية من مجتمعات مهاجرة في الولايات المتحدة وأوروبا تكشف أنماطاً متكررة: إحجام عن النقاش السياسي، تراجع في المشاركة المدنية أو الدينية، وشك متبادل تجاه أي نشاط قد يُفسَّر على أنه “حساس”. هذه البيئة تدفع نحو الرقابة الذاتية والانسحاب من المجال العام، ما يزيد من العزلة ويغلق قنوات التعبير السلمي.

ولا تقتصر هذه الديناميكيات على المجتمعات المسلمة. ففي كندا، تحدث نشطاء من الجالية البيلاروسية عن “معضلة القرب”، حيث أدّى الخوف من المراقبة العابرة للحدود إلى تعقيد العلاقات الاجتماعية واستخدام التكنولوجيا، خشية تعريض عائلاتهم في الوطن الأم للمخاطر.

 بين الشراكة المجتمعية والتنقيب الاستخباراتي

على المستوى المؤسسي، كشفت سياسات الأمن عن توتر بنيوي بين نموذجين متعارضين للعمل الشرطي: الشرطة المجتمعية القائمة على الشراكة وبناء الثقة، والشرطة الاستخباراتية التي تركز على جمع البيانات والمراقبة.

نظرياً، يُفترض أن يتكامل النموذجان، لكن التجربة العملية أظهرت، في سياق مكافحة الإرهاب، هيمنة المقاربة الاستخباراتية. وتبرز الإشكالية عندما يكتشف أفراد المجتمع أن التفاعل “الودود” مع الشرطة يُنظر إليه كمدخل لجمع المعلومات. عندها، ينهار منطق الشراكة، وتتحول الجاليات من “شركاء في الأمن” إلى مناجم بيانات.

العمى الاستراتيجي

المفارقة النهائية أن هذه السياسات، التي تُبرَّر باسم تعزيز “الأمننة”، غالباً ما تؤدي إلى إضعافه. فخوف الجاليات من الاستهداف يدفعها إلى تقليص التعاون مع السلطات، ما يحرم الدولة من مؤشرات مبكرة على التهديدات الفعلية. وهكذا يتشكّل ما يمكن تسميته بـالعمى الاستراتيجي، وأي توسّع في أدوات المراقبة يقابله تراجع في الفهم العميق للمجتمع.

إلى جانب ذلك، أدت سياسات الاحتواء الأمني إلى إضعاف القيادات المجتمعية المعتدلة، التي باتت تخشى التواصل مع المؤسسات الرسمية، سواء خوفاً من الوصم أو من فقدان ثقة قواعدها. هذا التآكل في الوساطة المجتمعية يخلق فراغاً تمثيلياً خطيراً، وهو ما سيتناوله الجزء الثاني من هذه السلسلة، عبر تحليل كيفية استغلال قوى خارجية هذا الفراغ لاختراق الجاليات وتوظيفها في صراعات جيوسياسية أوسع.

إن تحويل الهجرة إلى ملف أمني شامل لم ينتج مجتمعات أكثر أماناً، بل مجتمعات أكثر هشاشة. وبينما تسعى الدول إلى حماية نفسها، فإن حماية الأمن طويل الأمد تمرّ، بالضرورة، عبر استعادة الثقة، لا توسيع دائرة الاشتباه.