تبدو صورة التطرف في العالم العربي أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل عقد. فالهجمات تتراجع رقمياً في عدد من البلدان، لكن القابلية البنيوية للعنف لا تنخفض بالوتيرة نفسها. بل إن “الهيكل الخفي” الذي يصنع التطرف، والمتمثل بالهشاشة الاجتماعية، وفجوات الثقة، والانكماش الاقتصادي، والفراغ الرقمي، ما يزال يعمل بفاعلية أكبر مما يظهر على السطح. وكما تُردد الأدبيات البحثية اليوم، التطرف لم يعد يُقاس بعدد العمليات بل بعمق الهشاشة التي تسمح للعنف بأن يجد موطئ قدم.
هذا التباين بين المشهد الأمني والواقع البنيوي هو ما يجعل مقاربة هذا التقرير(ديناميات التطرف في العالم العربي (2025–2030)) ضرورية. فبدلاً من مطاردة “الخلايا” كما كان يحدث في العقد الماضي، تتقدم أسئلة أكثر حساسية: كيف تتشكل القابلية للتطرف داخل المجتمع؟ وأين تضعف المناعة؟ وما الثغرات التي تفتحها السياسات عندما تعالج السطح وتترك الجذور تنمو؟
اعتمد التقرير على أحدث بيانات مؤشر الإرهاب العالمي، وتقارير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، وتحليلات الأمم المتحدة الإنمائية، ليعيد رسم خريطة التطرف بين عامي 2025 و2030. ويتضح من هذه الخريطة أن المنطقة لا تواجه تهديداً واحداً، بل ثلاثة عوالم متوازية تتجاور فوق الأرض نفسها:
1) عالم تصنعه حروب لا تهدأ، يخلق “قابلية مستدامة” للعنف كما في سوريا والعراق واليمن والسودان.
2) عالم يعيش استقراراً قلقاً يخفي تحته غضباً اجتماعياً وضغطاً اقتصادياً يجعل الانفجار ممكناً عند أول شرارة. مثل مصر وتونس والجزائر والأردن ولبنان.
3) عالم تحميه مناعة مؤسسية صلبة، مثل المغرب ودول الخليج العربي، لكنها مناعة معرضة لارتدادات الإقليم والفضاء الرقمي.
محركات جديدة للتهديد
في عمق هذه العوالم تظهر محركات جديدة للتهديد لم تكن جزءاً من معادلة الأمن العربي سابقاً:
من تطييف ألعاب الفيديو التي تحولت إلى مساحات تجنيد ناعمة يصعب رصدها، إلى العملات المشفّرة التي أتاحت اقتصاداً موازياً يمول الشبكات الصغيرة بعيداً عن عين القانون، مروراً بتأثير تغيّر المناخ في تفتيت سبل العيش ودفع الشباب نحو العنف، وصولاً إلى التطرف الهجين الذي يمزج بين الجريمة المنظمة والروايات المتطرفة، وينتج نمطاً يصعب تفكيكه بالأساليب التقليدية.
هذه التحولات تفرض قراءة تقرير ديناميات التطرف في العالم العربي (2025–2030) مختلفة تماماً. التطرف، كما تكشف التجربة، ليس في “الخلية التي تتفكك”، بل في البيئة التي قد تنتج عشرات مثلها عندما تغيب الحوكمة والعدالة. وليس في “العملية الإرهابية التي تُحبط”، بل في الجذور التي تواصل النمو في العمق رغم الهدوء الظاهري.
هذا ما يجعل الانتقال من “المواجهة المباشرة” إلى “التحصين البنيوي” شرطاً استراتيجياً لا يمكن تأجيله. فالسرديات المتطرفة، كما تثبت تجارب السنوات الماضية، لا تُهزم بالقوة وحدها، بل ببناء الثقة، وسد فجوات الظلم، وإعادة توزيع الفرص قبل أن تتحول إلى غضب وعنف.
وعند محاولة قراءة المستقبل القريب، يطرح التقرير أسئلة لا يمكن تجاهلها: كيف ستتغير موجات التطرف خلال السنوات الخمس المقبلة؟ ومن أين قد تأتي الصدمة التالية التي تعيد تشكيل المنطقة؟ وما الذي تحتاجه الدول لبناء مناعة سياسية واجتماعية ورقمية تجعلها قادرة على احتواء تهديد يتطور بسرعة تفوق سرعة الرصاص، وسرديات تنتقل عبر الحدود بلا جواز سفر؟
هذه ليست مقدمة عن خطر قادم بقدر ما هي دعوة لإعادة فهم الظاهرة من جذورها، ورؤية التطرف لا كحدث عابر، بل كنتاج لهشاشة بنيوية لا يمكن ردمها بالأمن وحده، ولا مواجهتها بخطاب فقط، بل بمنظومة حوكمة قادرة على حماية المجتمع من الداخل، قبل أن يصل إليه التهديد من الخارج.
خارطة القابلية والمناعة
لفهم مشهد التطرف في العالم العربي بعمق، لا يكفي التعامل مع المنطقة ككتلة واحدة تتقاسم التهديدات نفسها. فالتقرير يكشف أن ما يبدو “ظاهرة واحدة” يتوزع فعلياً على ثلاث خرائط مختلفة من الهشاشة والمناعة، تتقاطع كلها عند نقطة واحدة: كيف تتفاعل بنية الدولة مع قابلية المجتمع؟ فكلما ضعفت المؤسسات، تمددت القابلية، وكلما اشتدت المنافسة على السلطة أو الموارد، تطور العنف ليصبح جزءاً من الاقتصاد السياسي للصراع نفسه.
في دول “الانهيار المؤسسي”، العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال، يتراجع دور الدولة من مركز الفعل إلى موقع “أحد الأطراف” وسط تنازع الميليشيات وتجار السلاح. هنا لا يعمل التطرف كحالة شاذة، بل كأحد مداميك اقتصاد الحرب. وتشير بيانات 2024 إلى أن 98% من الوفيات الناتجة عن الإرهاب عالمياً حدثت داخل مناطق صراع، ما يجعل الحرب أكبر مصنع مفتوح للتهديد. في سوريا والعراق مثلاً، لم يعد “داعش” يسعى لاحتلال المدن كما فعل في 2014، بل أعاد هندسة نفسه كتمرد ريفي يتغذى على جغرافيا البادية وعلى الفراغات التي خلّفتها القوى الدولية. وفي اليمن، يتشابك حضور “القاعدة” مع القبليّة والولاءات المحلية، فتذوب الحدود بين “المقاتل” و”المتطرف”. أما السودان، فصار نقطة ارتكاز جديدة لعدم الاستقرار، بعدما فتحت الحرب الأهلية ممرات لوجستية واسعة نحو الساحل الإفريقي.
دول “الاستقرار القَلِق”
على الضفة الأخرى تقف دول “الاستقرار القَلِق”: مصر وتونس والجزائر والأردن ولبنان. هذه دول نجحت أمنياً، لكنها تقف فوق تربة اجتماعية واقتصادية رخوة. البطالة الواسعة، وتآكل الدخول، والفجوات بين المركز والأطراف، كلها تضخ في المجتمع شعوراً باللايقين. هنا يصبح التطرف “منخفض التواتر لكنه عالي الإمكانية”. في تونس، لم تعد الجبال هدفاً للخلايا؛ بل تحولت الساحة إلى الإنترنت حيث يختلط السخط الاقتصادي برغبة بعض الشباب في الاحتجاج الراديكالي. وفي مصر، استعاد الأمن السيطرة في الوادي والدلتا، بينما تبقى سيناء اختباراً لمعادلة دقيقة: الأمن وحده لا يكفي من دون مقاربة تنموية. أما لبنان، فيغلي تحت انقسامات طائفية وتدهور اقتصادي يغذّي إمكانية انزلاق مجموعات صغيرة إلى العنف.
ثم تأتي دول “المناعة المؤسسية”، الخليج والمغرب، حيث الدولة قوية، والموارد مستقرة، والحقل الديني منظم، والهوية الوطنية تعمل كخط دفاع أول. لكن التهديد هنا لا يأتي من الداخل بقدر ما يتسرب من الخارج: عبر الفضاء السيبراني، أو عبر موجات الصراع من دول الجوار. المملكة العربية السعودية أعادت هندسة بنيتها الاجتماعية عبر إصلاحات من الأعلى قلّصت قدرة الجماعات التقليدية على استغلال المجال العام. والإمارات العربية المتحدة حوّلت “التسامح” إلى سياسة مؤسسية تسندها مراكز دولية تهدف لتقويض السرديات الراديكالية. أما المملكة المغربية فاعتمدت “إمارة المؤمنين” لتثبيت احتكار الدولة للفتوى وتنظيم المجال الديني.
خرائط ثلاث: جزر منفصلة
هذه الخرائط الثلاث ليست جزراً منفصلة، بل دوائر تتداخل وتتأثر ببعضها بعضاً. ما يحدث في اليمن لا يتوقف عند حدودها، بل ينعكس على الخليج والبحر الأحمر. وما يتصاعد في الساحل يظهر أثره في موريتانيا وشمال المغرب. وما يشتعل في غزة أو سوريا ينتشر كصدمة رقمية عبر المنصات في دقائق، مخترقاً البيوت والشاشات والمزاج العام.

وأثناء مراقبة هذا المشهد، يظهر ديناميات التطرف في العالم العربي (2025–2030) أن هناك “ثغرات خفية” تُعيد تصنيع التطرف خارج نطاق الرادار الأمني. فبعض منصات الألعاب، مثل Discord وRoblox، أصبحت ساحات ناعمة للتجنيد، حيث تُبنى شبكات صغيرة داخل غرف دردشة تمزج اللعب بالعنف الرمزي. وفي الوقت نفسه، انتقلت عمليات التمويل إلى العملات المشفرة والتحويلات الصغيرة التي يصعب تعقبها. أما تغيّر المناخ، فبدأ يتحول إلى “مضاعف تهديد” في مناطق مثل العراق والصومال، حيث يؤدي الجفاف وانهيار سُبل العيش إلى فتح الطريق أمام التجنيد السهل. كما تبرز النساء، خاصة في المخيمات، كفاعلات في نقل الأيديولوجيا أو كعنصر أساسي في برامج الوقاية، وهو بُعد ظل مُهملاً لسنوات.
جيل جديد من التطرف
بين عامَي 2025 و2030، تتجه المنطقة العربية نحو مشهد أكثر سيولة وأقل قابلية للتوقع، حيث لم يعد التطرف امتداداً لنسخة “داعش” أو “القاعدة” التقليدية، بل يتحرك ضمن جيل جديد من التهديدات التي تتغذى على التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة أكثر مما تتغذى على الهياكل العقائدية الصلبة.
وتُظهر القراءة المتقاطعة لبيانات الفترة الأخيرة أن الظاهرة تتطور في سبعة مسارات رئيسية، كل واحد منها يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة العنف وأساليبه.
أول هذه التحولات هو انتقال التطرف من التنظيمات المسلحة إلى الشبكات الصغيرة ثم إلى السرديات الرقمية. لم تعد البنية الهرمية هي اللاعب المركزي كما كانت خلال العقد الماضي؛ بل أصبحت “الرواية”، الميمات، والمقاطع القصيرة، والإيحاءات الرمزية، أخطر بكثير من “الخلية”. وهذا النوع من المحتوى يملك قدرة على إعادة إنتاج نفسه حتى لو تفككت البنية التنظيمية التي أطلقته.
ويتمثل التحول الثاني في صعود الدولة مركزياً في إدارة ملف التطرف، مقابل تراجع واضح لدور الوسطاء الاجتماعيين والمبادرات المدنية. ففي جغرافيا كثيرة، باتت الدولة هي من يحدد الخطاب الديني، ويضع حدود الفضاء الإعلامي، ويقود برامج الوقاية، ويصوغ المناهج. ورغم إيجابيات هذا الدور، إلا أنه يخلق مفارقة خطرة: سياسات أمنية أكثر فاعلية، ومجتمع أقل قدرة على حماية نفسه عند أول اهتزاز.
ويبرز الاتجاه الثالث في التوظيف السياسي لخطاب مكافحة التطرف. ففي بعض السياقات، أصبح “مكافحة التطرف” مظلة فضفاضة تُستخدم لتبرير ملاحقة أصوات معارضة أو توسيع تعريف الإرهاب. هذه الممارسة تُضعف شرعية القانون وتخلق فجوة ثقة تستغلها السرديات الراديكالية بسهولة، لأنها تعرض نفسها كبديل “عادل” لنظام يبدو غير قادر على الفصل بين الأمن والسياسة.
تحولات الفضاء الرقمي
في قلب التحولات، يعود الفضاء الرقمي بوصفه الجبهة المركزية للصراع. فالتطرف لم يعد يتطلب سلاحاً أو مكاناً أو علاقة تنظيمية؛ يكفي حساب مجهول على Discord أو فيديو على “تيك توك” أو غرفة دردشة على “تيلغرام” لإطلاق موجة جديدة من الاستقطاب. الخوارزميات لا تفهم الأمن، بل تفهم ما يجذب الانتباه، وغالباً ما يكون المحتوى الأكثر تطرفاً هو الأكثر قابلية للانتشار. هذه المعركة، ببساطة، لا تُدار بحواجز ولا بنقاط تفتيش.
ويتقاطع الاتجاه الرابع مع الواقع الاقتصادي. فالهشاشة الاقتصادية، وليست الأيديولوجيا، أصبحت المحرك الأعمق للقابلية. في دول الصراع والانهيار، يتقدم التطرف باعتباره مصدر رزق. وفي دول الاستقرار القلق، يتسلل عبر الإحباط وانسداد الأفق. وفي دول المناعة المؤسسية، يظهر على تخوم المدن وأطراف سوق العمل.
هذا ما يسمى في تقارير التنمية بـ “الهشاشة الوجودية”، أي الشعور المتنامي بأن الغد لن يكون أفضل من اليوم.
كما تشهد المنطقة أيضاً تحولاً لافتاً في دور المدن. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت البلديات والمجالس المحلية والمراكز الشبابية في المغرب والأردن وبعض مدن الخليج تلعب دور “وحدات إنذار مبكر”. فهي الأقرب إلى نبض الشارع، والأقدر على رصد التغيرات الصغيرة التي لا تلتقطها أجهزة الأمن المركزية. وهذا الاتجاه، إذا نضج، قد يغير قواعد اللعبة خلال السنوات المقبلة.
دوائر الاستقطاب الطائفي
أخيراً، تتكرر الصدمات الإقليمية كعامل مولّد للتطرف. فما يحدث في غزة، والساحل الإفريقي، والسودان، وسوريا، لا يبقى داخل الحدود، بل تنتقل آثاره عبر حركة المقاتلين، وتهريب السلاح، وارتداد الخطاب الانتقامي، ودوائر الاستقطاب الطائفي. وفي لحظة رقمية، يمكن لحدث واحد أن ينتقل من منطقة صراع إلى هاتف في الخليج أو تونس أو المغرب، مخترقاً الحالة المزاجية العامة في ساعات قليلة.
توضح هذه الاتجاهات مجتمعة شيئاً واحداً، وهو أن السنوات الخمس المقبلة لن تُقاس بعدد الخلايا المفككة أو العمليات الناجحة، بل بقدرة أنظمة الحكم على إدارة الهشاشة، والتحكم في السرديات الرقمية، واستعادة ثقة المجتمع في القانون، وخلق مسارات اقتصادية تُعيد الأمل.
المنطقة، بكل اختلافاتها، تدخل طوراً جديداً يتطلب أسلوب إدارة مختلفاً: ليس أمنياً أو اجتماعياً فحسب، بل مزيجاً متوازناً يقرأ الميدان والحوكمة في جملة واحدة.
مستقبل التهديد بين التكيّف والتمدد
حين ننظر إلى السنوات الخمس المقبلة، يتبيّن أن التطرف في العالم العربي لن يتحرك في مسار واحد، بل في مجموعة من الاحتمالات التي تحكمها طبيعة الدولة، بالإضافة إلى حدّة الأزمات الاقتصادية، وقوة السرديات الرقمية، وموقع كل دولة داخل خريطة الإقليم المضطربة. السيناريوهات هنا ليست تنبؤات جاهزة، إنما مسارات محتملة تستند إلى القرائن الأكثر وضوحاً في ميدان الصراع وبيئة الحوكمة.
في السيناريو الأول، يستمر عدد من الدول، خصوصاً في الخليج والمغرب والأردن، في تسجيل مستويات منخفضة من الهجمات بفضل منظومات أمنية راسخة وقدرة الدولة على الإمساك بالمجال العام. إلا أن هذا الهدوء لا يستند إلى جذور صلبة بقدر ما يستند إلى “إدارة محكمة” للسطح. فالعوامل التي تُنتج القابلية للتطرف لا تزال حيّة: فجوات اجتماعية، ضغط اقتصادي على الشباب، وفضاءات رقمية تعمل خارج حدود الرقابة التقليدية. هنا يبدو الاستقرار أقرب إلى حالة وقاية عالية الكفاءة لكنه يظل هشّاً أمام أي صدمة مفاجئة.
والسيناريو الثاني يخصّ الدول التي تواجه أزمات اقتصادية خانقة، حيث يتحوّل الانكماش المالي والبطالة والتفاوت إلى عوامل مضاعِفة للقابلية. في لبنان وتونس والسودان واليمن، تبدو الظاهرة أقل ارتباطاً بتنظيمات كبرى وأكثر التصاقاً بإحساس عام بانسداد الأفق. يصبح الغضب نفسه بديلاً عن الأيديولوجيا، ويكفي وعود صغيرة بالتغيير أو خطاب احتجاجي متطرف لتجذب فئات تبحث عن معنى وسط انهيار معيشي. وفي هذا السياق، يتحرك التطرف كحالة اجتماعية قبل أن يكون ظاهرة أمنية.
التطرف اللامركزي
ويعكس السيناريو الثالث تحولاً نوعياً في شكل التهديد. فبدلاً من الهياكل التنظيمية، يبرز جيل جديد من التطرف يقوم على الذرّات المنفلتة، أفراد يعملون داخل غرف رقمية مغلقة، مجموعات صغيرة تتجمع حول رموز غضب أو سرديات مظلومية، ومحتوى سريع يعيد تشكيل المخيلة دون حاجة إلى قائد أو تنظيم. هذا “التطرف اللامركزي” يتجاوز الجغرافيا ويتحرك في فضاء يصعب السيطرة عليه، ويُحتمل ظهوره في المدن الكبرى حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع الاحتجاجات الاجتماعية والمعرفة الرقمية الواسعة.
أما السيناريو الرابع، فيتمحور حول الموجات العابرة للحدود. ويقول تاريخ المنطقة إن كل صدمة كبرى، من غزة إلى الساحل الإفريقي، ومن العراق إلى السودان، تنتج موجة تطرف تتجاوز مكانها الأصلي. لا يقتصر الأمر على انتقال المقاتلين أو السلاح، بل يشمل تدفق السرديات الطائفية، والخطابات الانتقامية، والصدمات التي تشكّل المزاج العام عبر المنصات الرقمية. هذا السيناريو يضع الدول الهشّة مثل موريتانيا وجيبوتي والأردن ولبنان في موقع الاستقبال الأول لأي موجة جديدة، كما يجعل دول الخليج جزءاً من دائرة التأثر، لا مجرد أطراف آمنة.
في مجملها، تعكس هذه السيناريوهات حقيقة واحدة: المستقبل لن تُحدده الهجمات، بل مستوى القابلية البنيوية داخل المجتمع. وسيكون نجاح الدول العربية مرتبطاً بقدرتها على إدارة الهشاشة الاقتصادية، وتنظيم الفضاء الرقمي، واستعادة الثقة في القانون، وتوفير مسارات اجتماعية واقتصادية تحرر الشباب من الوقوع في دائرة الاحتجاج الراديكالي.
هذه ليست سيناريوهات مفصولة عن الواقع، بل مسارات تُملي على المنطقة الانتقال من منطق “إحباط الهجوم” إلى منطق “إضعاف البيئة” التي تنتجه.
من إدارة الموجات إلى بناء المناعة
تكشف السيناريوهات الأربع أن المنطقة العربية تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التعامل مع التطرف؛ مرحلة لم يعد يمكن اختزالها في سؤال “من يُنفّذ الهجوم؟” بل في سؤال أعمق: “أين تنشأ القابلية للعنف؟”. فالمشهد الذي بدا لسنوات مرتبطاً بتنظيمات واضحة المعالم يتبدل الآن إلى طبقات متعددة من التهديد، تتحرك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والرقمية والبيئية جنباً إلى جنب، لتُنتج شكلاً جديداً من التطرف، أقل مركزية وأكثر انتشاراً، وأقرب إلى موجة اجتماعية منه إلى تنظيم قائم.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن هدوء الدول ليس دليلاً على انخفاض الخطر، وأن نجاح الأمن لا يعني بالضرورة بناء مناعة. فالمستويات المختلفة من الاستقرار في دول الخليج والمغرب والأردن، أو من الهشاشة العميقة في لبنان وتونس والسودان، أو من الانهيار المؤسسي في اليمن وسوريا، تُظهر كلها أن المعادلة الحقيقية ليست قوة الدولة فقط، بل علاقتها بمجتمعها. فالدولة القوية قادرة على خفض الهجمات، نعم، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب التي تجعل التطرف قابلاً للعودة إذا انهار الاقتصاد أو ضعُفت الثقة أو انفجر الفضاء الرقمي بخطابات الكراهية.
تؤكد البيانات أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخلية المسلحة، بل في البيئة التي تسمح بإعادة إنتاجها؛ ولا يكمن في المقاتل، بل في المظلومية التي تبرر الفعل؛ ولا يكمن في العملية الإرهابية، بل في الفراغ الذي يتركه غياب التنمية، أو انسداد الأفق، أو انهيار الثقة في العدالة. وهذا ما يجعل تجربة المنطقة في مكافحة التطرف أقرب إلى معركة طويلة مع “الهشاشة” بمختلف أنواعها، لا مجرد مواجهة أمنية ضد مجموعات مسلحة.
إدارة الموجات وبناء المناعة
إن الانتقال من منطق “إدارة الموجات” إلى بناء مناعة عربية مستدامة يتطلب إعادة هندسة كاملة لمنطق المواجهة:
– مناعة لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا بالخطاب الديني الرسمي وحده، بل بمنظومة متكاملة تشمل الحوكمة، والاقتصاد، والتعليم، والفضاء الرقمي، والمجتمع المدني.
– في هذه المنظومة، تصبح التنمية أداة وقائية بقدر ما هي اقتصادية، والتعليم منصة للمناعة الفكرية بقدر ما هو عملية معرفية، والسياسات الرقمية جزءاً من الأمن القومي لا أقلّ.
ومع أن الطريق أمام المنطقة معقد ومليء بالتحديات، إلا أن الدروس واضحة:
– الدول التي تستثمر في العدالة الاقتصادية، وتوسع مساحات الثقة، وتدمج المجتمع في الوقاية، وتضبط سرديات الفضاء الرقمي دون خنق الحريات، ستكون الأقرب إلى التحصّن ضد موجات التطرف المقبلة.
– الدول التي تنظر إلى التطرف باعتباره “أزمة أمنية” فحسب، ستظل تدور داخل دائرة مفرغة من الهدوء المؤقت والارتداد المفاجئ.
وهكذا، فإن السنوات الخمس المقبلة ستتقرر بناءً على سؤال واحد: هل تستطيع الدول العربية الانتقال من ردّ الفعل إلى بناء المناعة؟
سيكون التهديد القادم، كما تُجمع المؤشرات، أكثر هدوءاً في ظهوره، وأكثر سرعة في انتشاره، وأكثر قدرة على الالتفاف حول الحدود والدول والخطاب التقليدي. وفي مواجهة تهديد بهذه الصفات، لا يكون النصر في تفكيك الخلية، بل في تفكيك القابلية نفسها.











