ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

مقالات مشابهة

استراتيجية ترامب (3-5)

الولايات المتحدة تعيد إحياء “مبدأ مونرو”: مكافحة الإرهاب والعصابات والجريمة المنظمة في نصف الكرة الغربي

ملحم الزبيدي
ملحم الزبيدي

تمثل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2026 التي كشفت عنها إدارة دونالد ترامب ذروة التحول نحو “القومية الأمنية”، حيث انتقل ثقل العمليات من مكافحة التنظيمات الأيديولوجية في الخارج البعيد إلى مواجهة “التهديدات الوجودية” في الجوار المباشر. من خلال إحياء “مبدأ مونرو” برداء عسكري حديث، لا تسعى واشنطن فقط لتأمين حدودها الجنوبية، بل لإعادة رسم التوازنات السياسية في أمريكا اللاتينية عبر دمج الجريمة المنظمة في تعريف الإرهاب.

هذه المقاربة تحوّل المحيط الجغرافي للولايات المتحدة إلى ساحة عمليات مفتوحة، حيث تتلاشى الفوارق بين إنفاذ القانون والعمل العسكري، مما يضع القارة أمام واقع جديد يتسم بالتدخلية الاستباقية تحت لافتة “حماية الوطن” 

كما تعتمد المقاربة الجديدة على إحياء “مبدأ مونرو” بصيغة حديثة تمنح واشنطن دوراً محورياً في حماية مجالها الحيوي الإقليمي، مع تأكيدها على أن استعادة “تفوق أمريكا في محيطها الجغرافي” بات شرطاً أساسياً للأمن القومي. وتطرح الاستراتيجية نهجاً أكثر هجومية في مواجهة شبكات التهريب والعصابات، وتربط بينها وبين تهديدات إرهابية أوسع، في خطوة تعكس تصعيداً لافتاً في السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية والحدود الجنوبية للولايات المتحدة.

وأكد ترامب، في إطار استراتيجية الأمن القومي الجديدة 2026، أن واشنطن ستعمل على “استعادة تفوق أمريكا في نصف الكرة الغربي وحماية الوطن”، معتبراً أن سنوات الإدارة السابقة شهدت تراجعاً في السيطرة على الحدود وتصاعداً في نفوذ العصابات وشبكات التهريب.

المخدرات في قلب “الحرب على الإرهاب”

تعكس الوثيقة تحولاً لافتاً في العقيدة الأمنية الأمريكية، إذ باتت عصابات المخدرات تُعامل باعتبارها تهديداً إرهابياً مباشراً للأمن القومي، وليس مجرد شبكات إجرامية تقليدية.

في أول يوم من ولايته الجديدة، أعلن ترامب تصنيف عدد من عصابات تهريب المخدرات والأسلحة والمهاجرين غير الشرعيين كـ “منظمات إجرامية أجنبية”، مع توجيه أجهزة الدولة كافة لتفكيك بنيتها المالية واللوجستية. وترى الإدارة الأمريكية أن هذه الجماعات تستفيد من شبكات عابرة للحدود تشترك في التمويل والنقل والتهريب مع جماعات متطرفة أخرى، ما يجعل المواجهة الأمنية معها جزءاً من الحرب الأوسع ضد الإرهاب.

كما تؤكد الاستراتيجية أن سياسة “الحدود المفتوحة” خلال إدارة جو بايدن ساهمت، بحسب وصفها، في تفاقم تدفق المخدرات والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة إلى داخل الولايات المتحدة.

بحسب الوثيقة، أذنت إدارة ترامب بتنفيذ عشرات الضربات العسكرية ضد قوارب تهريب المخدرات في البحر، في إطار عمليات تقودها وزارة الدفاع الأمريكية. ,تقول الإدارة إن هذه العمليات أدت إلى انخفاض يتجاوز 90% في تهريب المخدرات بحراً نحو الولايات المتحدة، في مؤشر إلى اعتماد مقاربة أكثر هجومية في مواجهة شبكات التهريب.

وتعتمد الاستراتيجية الجديدة على دمج جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، عبر استهداف الشبكات المشتركة ومصادر التمويل وخطوط الإمداد التي تستخدمها العصابات والجماعات المتشددة على حد سواء.

فنزويلا وارتباطاتها مع إيران و”حزب الله”

في واحدة من أبرز النقاط التي تضمنتها الوثيقة، أشارت الإدارة الأمريكية إلى عملية “العزم المطلق”، التي قالت إنها أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم مرتبطة بالإرهاب وتهريب المخدرات.

ووصفت واشنطن مادورو بأنه “زعيم عصابة متحالف مع إيران وحزب الله”، معتبرة أن التداخل بين الأنظمة المعادية للولايات المتحدة وشبكات الجريمة المنظمة أصبح يمثل تهديداً مباشراً للأمن الأمريكي.

كما تعكس هذه الرواية توجهاً أمريكياً متصاعداً لربط بعض الحكومات في أمريكا اللاتينية بمحاور إقليمية معادية لواشنطن، في إطار صراع جيوسياسي أوسع يمتد من الشرق الأوسط إلى القارة الأمريكية.

“مبدأ ترامب”.. تحديث النفوذ الأمريكي  

ترى الإدارة الأمريكية أن ما تسميه “مبدأ ترامب” يمثل تطويراً حديثاً لـ “مبدأ مونرو”، عبر الجمع بين الردع العسكري وإنفاذ القانون والعقوبات الاقتصادية والأدوات الاستخباراتية.

وتؤكد الوثيقة أن واشنطن ستواصل استهداف شبكات التمويل والإمداد الخاصة بعصابات المخدرات، سواء بالتنسيق مع الحكومات المحلية أو بشكل منفرد إذا اعتبرت أن تلك الحكومات “غير قادرة أو غير راغبة” في التعاون.

كما تحذر الاستراتيجية من أن أي حكومة يثبت تورطها أو تواطؤها مع العصابات الإجرامية ستواجه إجراءات أمريكية مباشرة لحماية الأمن القومي الأمريكي.

الأمن الأمريكي خارج الحدود  

تكشف الاستراتيجية الجديدة عن تحول كبير في نظرة واشنطن إلى التهديدات القادمة من محيطها الجغرافي المباشر، حيث باتت أمريكا اللاتينية تُعامل باعتبارها ساحة مركزية في الحرب على الإرهاب والجريمة المنظمة.

تسعى إدارة ترامب من خلال هذه المقاربة إلى إعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي التقليدي في القارة، وربط ملفات الهجرة والمخدرات والإرهاب ضمن إطار أمني واحد يمنح واشنطن مبررات أوسع للتدخل السياسي والأمني.

تعكس الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب توجهاً أكثر تشدداً في التعامل مع قضايا الحدود والجريمة المنظمة والنفوذ الإقليمي، مع توسيع مفهوم “الإرهاب” ليشمل العصابات العابرة للحدود والأنظمة المتهمة بدعمها. وبينما تؤكد إدارة ترامب أن هذه السياسة ضرورية لحماية الأمن القومي الأمريكي، فإنها تفتح في المقابل الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد الأمني والسياسي في أمريكا اللاتينية، وسط مخاوف من اتساع نطاق التدخلات الأمريكية تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”.