لم تعد رياح الانفصال في كندا مجرد “صدى فرنسي” قادم من كيبيك، بل باتت تهب بقوة من الغرب النفطي، وتحديداً من مقاطعة ألبرتا التي وضعت الاتحاد الكندي أمام اختبار تاريخي غير مسبوق، بعد تقديم 300 ألف توقيع لهيئة الانتخابات للمطالبة باستفتاء على الاستقلال ليمثل ذروة عقود من “الاغتراب السياسي” بين إقليم يمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي عالمي، وحكومة فيدرالية في أوتاوا تُتهم بتبني أجندة خضراء تضرب عصب الاقتصاد المحلي.
هذا التحرك يتجاوز كونه مناورة سياسية؛ إنه إعلان عن فشل “التوازن الكندي” في استيعاب التباين الصارخ بين قيم الغرب المحافظ وتوجهات الشرق الليبرالي، مما يفتح الباب أمام ولادة كيان سياسي جديد قد يغير جيوسياسية أمريكا الشمالية.
300 ألف توقيع تمهّد للاستفتاء
وصل الناشطون إلى مكاتب هيئة الانتخابات الكندية محمّلين بأكثر من 300 ألف توقيع مؤيد لإجراء استفتاء بشأن استقلال ألبرتا، وهو رقم ضخم يعكس حجم التعبئة الشعبية التي نجحت الحركة في تحقيقها خلال الأشهر الماضية، ورافعين شعارات تنتقد الحكومة الفيدرالية وتدعو إلى استعادة القرار السياسي والاقتصادي للمقاطعة.
زعيم الحركة الانفصالية ميتش سيلفستر، قال إن سكان ألبرتا “ليسوا مثل بقية سكان كندا”، معرباً عن أمله في تنظيم أول تصويت على الإطلاق بشأن هذه القضية. كما اعتبر أن المقاطعة المحافظة تُدار فعلياً من قبل حكومة ليبرالية لا تشاركها القيم أو الأولويات نفسها.
تتركز انتقادات الحركة خصوصاً في سياسات الطاقة والبيئة التي تنتهجها أوتاوا، والتي يعتبرها سكان ألبرتا تهديداً مباشراً لصناعة النفط والغاز، المصدر الرئيسي للوظائف والإيرادات في المقاطعة.
من الهامشية إلى التأثير
لسنوات طويلة، بقيت فكرة انفصال ألبرتا، التي يناهز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، أقرب إلى خطاب احتجاجي محدود التأثير، لكن التطورات السياسية والاقتصادية الأخيرة دفعتها إلى الواجهة بصورة غير مسبوقة.
تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن نسبة المؤيدين لفكرة الاستقلال اقتربت من 30%، وهي أعلى نسبة تُسجّل منذ ظهور الحركة الانفصالية الحديثة في المقاطعة.
ورغم أن الأغلبية ما زالت تؤيد البقاء ضمن الاتحاد الكندي، إلا أن مجرد وصول التأييد إلى هذه النسبة يُعد تحولاً سياسياً كبيراً في بلد لم يشهد تاريخياً نزعات انفصالية قوية خارج مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية.
ويرى مراقبون أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالاستقلال، بل باتت تعبّر عن أزمة ثقة عميقة بين الغرب الكندي والحكومة الفيدرالية في أوتاوا.
جذور أزمة ضاربة
بينما يعود الاستياء السياسي في ألبرتا لعقود، يربط كثيرون بداية الانفجار الحقيقي بما عُرف بـ”برنامج الطاقة الوطني” الذي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق بيير إليوت ترودو عام 1980.
البرنامج منح الحكومة الفيدرالية سلطات أوسع على قطاع النفط، وفرض قيوداً وضوابط على الأسعار، إضافة إلى ضرائب جديدة هدفت إلى زيادة عائدات أوتاوا من النفط المنتج في ألبرتا.
بالنسبة لكثير من سكان المقاطعة، شكّل ذلك البرنامج لحظة مفصلية رسّخت شعوراً بأن الحكومة المركزية تستفيد من ثروات ألبرتا دون أن تمنحها نفوذاً سياسياً يتناسب مع مساهمتها الاقتصادية.
قال المؤرخ المستقل والمؤيد القديم لاستقلال ألبرتا، مايكل فاغنر، إن الحركة الانفصالية “ترسّخت بشكل أعمق” منذ ذلك الوقت، مؤكداً أن القضية تجاوزت كونها مجرد رد فعل سياسي مؤقت. وأضاف: “حتى لو خسرنا الاستفتاء، فإن الحركة لن تختفي فجأة”. ويرى فاغنر أن كندا نفسها تغيّرت خلال العقود الأخيرة، وأن الفجوة بين الغرب المحافظ والشرق الليبرالي باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
ترودو.. عدو مشترك للانفصاليين
اللافت في الأمر، أن كثيراً من أنصار الانفصال يستخدمون تعبير “نظام ترودو” لوصف الحكومات الليبرالية المتعاقبة بقيادة الأب بيير إليوت ترودو ثم ابنه جاستن ترودو.
تقول تامي كاليتا، وهي من المشاركين في الحشد المؤيد للاستقلال: “سياسات عائلة ترودو دفعتني إلى تبنّي فكرة الانفصال بعدما كنت أرفضها في السابق. ألبرتا لا صوت لها في النظام البرلماني الكندي الحالي، لقد ألهمتني هذه الحركة”.
بالإضافة إلى ذلك، يشعر كثير من سكان المقاطعة بأن ثقلهم الاقتصادي لا ينعكس على تمثيلهم السياسي، خصوصاً أن القرارات الفيدرالية غالباً ما تُحسم وفق توازنات انتخابية في أونتاريو وكيبيك، المقاطعتين الأكبر سكانياً والأكثر تأثيراً في الانتخابات الوطنية.
النفط في قلب المعركة
تكمن خلف الأزمة الحالية معركة اقتصادية وسياسية ضخمة تتعلق بمستقبل صناعة النفط الكندية. فألبرتا تمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد فنزويلا والسعودية، وتعتمد بشكل أساسي على استخراج النفط الرملي الذي يوفّر مئات الآلاف من الوظائف، ويشكّل مصدراً رئيسياً للدخل الحكومي.
لكن الحكومة الفيدرالية بقيادة الليبراليين تبنّت خلال السنوات الأخيرة سياسات بيئية أكثر تشدداً للحد من الانبعاثات الكربونية، وهو ما اعتبرته ألبرتا استهدافاً مباشراً لاقتصادها.
وتتهم الحكومة المحلية في المقاطعة أوتاوا بعرقلة مشاريع خطوط الأنابيب النفطية، وفرض قيود تنظيمية تؤثر على الاستثمارات في قطاع الطاقة. ليصبح الصراع بين أجندة البيئة والطاقة المحرك الأساسي للنزعة الانفصالية الحالية.
التأثير “الترامبي”
في تطور لافت، بدأت القضية تأخذ بعداً دولياً مع ظهور إشارات دعم أمريكية غير مباشرة للحركة الانفصالية. وقد عبّر نائب رئيس وزراء ألبرتا السابق توماس لوكاسزوك، وهو من أبرز المعارضين للاستقلال، عن قلقه من تنامي العلاقات بين الانفصاليين وبعض الدوائر الأمريكية المحافظة.
ولمواجهة ذلك، أنشأ مجموعة “ألبرتا كندية إلى الأبد”. بالنسبة إليه، فإنّ رئيسة وزراء المقاطعة المحافِظة دانييل سميث هي التي شجّعت التيار المعارض، خصوصاً في ظل سعيها إلى تعزيز العلاقات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
أشار لوكاسزوك إلى أن شخصيات انفصالية من ألبرتا حظيت باستقبال رفيع المستوى في واشنطن، رغم أنهم لا يشغلون أي مناصب رسمية، ولا هم ممثلين انتخابياً. معتقداً أن ترامب لعب دوراً غير مباشر في تشجيع الخطاب الانفصالي، خاصة مع التقارب السياسي والفكري بين المحافظين في ألبرتا والتيار “الترامبي” في الولايات المتحدة.
وفي رد فعل سابق، أثار جدلاً واسعاً داخل كندا، أظهر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دعمه لفكرة ألبرتا مستقلة، من خلال وصف المقاطعة بأنها “شريك طبيعي للولايات المتحدة”، كما لو كانت دولة مستقلة.
مع ذلك، أقرّ لوكاسزوك بأنّ بعض الانفصاليين لديهم مظالم مشروعة ينبغي على أوتاوا محاولة معالجتها، منها ما يتعلق بصناعة النفط التي لا تزال مصدراً حيوياً للإيرادات.
انقسام اجتماعي غير مسبوق
بعيداً عن السياسة، يبدو أن الأزمة تركت آثاراً عميقة داخل مجتمع ألبرتا. فقد وصف لوكاسزوك الوضع الحالي بـ”الأكثر انقساماً” الذي تشهده المقاطعة منذ سنوات طويلة.
وقال: “لم يعد الجيران يتحدثون مع بعضهم البعض، ولم يعد أفراد العائلة الواحدة يتحدثون مع بعضهم البعض”. هذا الانقسام يعكس حجم الاحتقان الذي تعيشه المقاطعة، حيث باتت قضية الاستقلال تتجاوز السياسة لتتحول إلى نقاش يمس الهوية والانتماء ومستقبل الأجيال المقبلة.
كندا إلى أزمة تاريخية
لا توجد ضمانات بأن الاستفتاء سيُجرى فعلاً أو أن خيار الانفصال سيحظى بالأغلبية، لكن مجرد وصول النقاش إلى هذه المرحلة يُعد تطوراً تاريخياً في السياسة الكندية.
فالبلاد التي واجهت لعقود تحديات انفصالية في كيبيك، تجد نفسها اليوم أمام جبهة جديدة في الغرب، مدفوعة بالغضب الاقتصادي والاستقطاب السياسي والتوتر المتزايد مع الحكومة الفيدرالية.
وفي حال استمرار صعود التيار الانفصالي، قد تضطر أوتاوا إلى تقديم تنازلات سياسية واقتصادية لاحتواء الغضب المتصاعد في ألبرتا، خصوصاً أن المقاطعة تمثل قلب صناعة الطاقة الكندية وأحد أهم محركات الاقتصاد الوطني.
لكن المؤكد حتى الآن، هو أن ألبرتا لم تعد كما كانت، وأن النقاش حول مستقبلها داخل الاتحاد الكندي بات أكثر جدية من أي وقت مضى.















