بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

“خريف الجنرالات” والذكاء الاصطناعي.. الليكود يَستبق تحالف بينيت-لابيد بحرب الصور الرقمية وشيطنة الخصوم

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تشكل الساحة السياسية الإسرائيلية اليوم واحدة من أكثر الميادين تعقيداً واستقطاباً في العالم؛ إذ لم تعد المعارك الانتخابية تقتصر على صناديق الاقتراع أو المناظرات التلفزيونية التقليدية، بل انتقلت تدريجياً إلى فضاءات رقمية مدفوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه التقنيات أعادت تشكيل مفهوم «البروباغندا» السياسية، وجعلت الصورة أداة مركزية في إدارة الصراع، وأحياناً أسرع تأثيراً من الخطاب السياسي نفسه.

في هذا السياق، يأتي الهجوم الأخير الذي شنه حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو على التحالف المرتقب بين نفتالي بينيت ويائير لابيد ليعكس مرحلة جديدة من الصراع على السلطة؛ مرحلةٌ تتجاوز الخلافات التقليدية، إلى معركة على الرواية والرمزية السياسية في آن واحد، حيث تُعاد صياغة الخصوم عبر أدوات بصرية مكثفة التأثير.

الدعاية الرقمية والذكاء الاصطناعي

بدأت فصول هذه المواجهة عندما نشر الليكود عبر منصة “إكس” صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها منصور عباس وهو يقود سيارة، بينما يجلس بينيت ولابيد في الخلف بملامح طفولية توحي بعدم السيطرة.

هذه الصورة لم تكن مجرد سخرية سياسية، بل جاءت كرسالة بصرية تهدف إلى ترسيخ فكرة فقدان السيادة في حال وصول المعارضة إلى الحكم، وإعادة تشكيل الانطباع العام حول توازن القوى السياسي.

كما سعت إلى ربط أي بديل لنتنياهو بالأحزاب العربية، في إطار خطابات يصفها الليكود بأنها قريبة من “الإخوان المسلمين”. هذا الطرح يعكس توتراً متزايداً داخل المعسكر اليميني مع تصاعد شعبية نفتالي بينيت في استطلاعات الرأي، وعودة الحديث عن إمكانية تشكل كتلة معارضة قادرة على كسر هيمنة الليكود.

خطاب التخويف السياسي المتصاعد

يعتمد هذا النمط من الدعاية على إعادة إنتاج خطاب التخويف السياسي بشكل أكثر حدّة وتركيزاً. يتم تقديم الخصوم ضمن إطار أمني مشدد، يربطهم بمخاطر تمس هوية الدولة أو استقرارها السياسي والاجتماعي.

في المقابل، يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة لتكثيف هذه الرسائل بصرياً، بما يجعلها أكثر تأثيراً من الخطاب التقليدي وأكثر قابلية للانتشار في الفضاء الرقمي. تصوير القادة كأطفال، على سبيل المثال، يهدف إلى تقويض صورتهم القيادية وإضعاف حضورهم الرمزي في الوعي العام، وإظهارهم غير قادرين على إدارة الدولة في لحظات الأزمات.

هذا النوع من الخطاب يُسهم في تعميق الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، ويزيد من حدة الانقسام حول تعريف الهوية السياسية للدولة ومسارها المستقبلي، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية متوترة وضغط داخلي متزايد على مؤسسات الحكم.

حسابات التحالف الانتخابي الراهن

يأتي هذا التصعيد في ظل تراجع نسبي في شعبية الحكومة الحالية، مقابل محاولات من المعارضة لإعادة تشكيل اصطفاف سياسي أكثر تماسكاً وقدرة على المنافسة في الانتخابات المقبلة.

ويبرز احتمال تحالف بينيت–لابيد كعامل قادر على إعادة خلط الأوراق السياسية بشكل جذري، نظراً لقدرته على الجمع بين شرائح مختلفة من الناخبين، من اليمين المُعتدل إلى الوسط الليبرالي، إضافة إلى استقطاب أصوات تبحث عن بديل براغماتي أقل ارتباطاً بشخصنة السلطة.

هذا السيناريو يُنظر إليه داخل الليكود كتهديد مباشر لمعادلة الحكم القائمة منذ سنوات، ما يفسر حدة الخطاب الموجه ضد هذا التحالف حتى قبل اكتماله، ومحاولة ضربه سياسياً ورمزياً في مراحله الأولى.

السياسة وصناعة الصورة الحديثة

يكشف تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في الحملات الانتخابية عن تحول أعمق في أدوات السياسة الحديثة وأساليب التأثير على الرأي العام. لم تعد المنافسة تدور فقط حول البرامج أو الإنجازات، بل حول القدرة على إنتاج صور وسرديات قادرة على إعادة تشكيل الإدراك الجمعي بسرعة ودقة.

هذا التحول يضع الديمقراطية أمام تحديات جديدة، تختلط فيها الصورة المُصنّعة بالواقع السياسي، ويصبح التمييز بينهما أكثر صعوبة على الناخب العادي، خصوصاً في ظل تدفق هائل للمحتوى عبر المنصات الرقمية. ليصبح المشهد جزءاً أساسياً من صناعة القرار الانتخابي، لا مُجرد أداة دعائية مرافقة له، ما يعيد تعريف قواعد اللعبة السياسية في العصر الرقمي.

يؤكد هذا التصعيد أن المواجهة السياسية لم تعد تُحسم فقط عبر البرامج أو التحالفات، بل عبر القدرة على إنتاج صور وسرديات تعيد تشكيل الإدراك العام بسرعة غير مسبوقة. وبينما تتعمّق الانقسامات الداخلية، تبدو الساحة الإسرائيلية مقبلة على انتخابات تُدار بخوارزميات التأثير، أكثر من الأصوات، في اختبار جديد لقدرة الديمقراطية على التكيّف مع زمن تتقدّم فيه التكنولوجيا على الحقيقة.