يُعيد الشرق الأوسط اليوم صياغة مفهوم الخصومة السياسية، متجاوزاً الخطاب التقليدي الذي طالما وصفت فيه إيران خصمها الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر”، نحو واقع جديد تُدار فيه الصراعات عبر المفاوضات المباشرة بين الخصوم أنفسهم. هذا التحول لا يعكس مجرد تبدل في أدوات الدبلوماسية، بل يكشف عن انتقال عميق من أيديولوجيا المواجهة إلى براغماتية إدارة المصالح، حيث تتقاطع التهدئة مع التصعيد، ويجلس الأعداء على طاولة واحدة فيما تستمر خطوط الاشتباك مفتوحة على الأرض.
في هذا السياق، تتداخل المسارات بين لبنان وإيران ضمن شبكة تفاوضية مترابطة تمتد من واشنطن إلى إسلام آباد، ما يعكس تحوّلاً بنيوياً في طبيعة الصراع الإقليمي، حيث لم تعد الشعارات الكبرى كافية لضبط الإيقاع، بل أصبحت المفاوضات المباشرة هي الأداة الأساسية لإدارة التوازنات الجديدة.
انكسار جدار الوساطة وصعود الدبلوماسية المباشرة
يُمثل الانتقال من القنوات الخلفية إلى التفاوض المباشر لحظة اعتراف جماعي بأن هندسة الأزمات عبر الوسطاء لم تعد قابلة للاستمرار. لعقود طويلة، شكّلت الوساطة الإقليمية والدولية صمام أمان يمنح الأطراف هامشاً للمناورة والإنكار، لكنه في الوقت نفسه كان يؤجل الانفجارات ولا يمنعها.
غير أن التحولات المتسارعة في بنية الصراع الإقليمي، خصوصاً بعد التصعيد العسكري الواسع في أكثر من ساحة، دفعت الأطراف إلى القبول بما كان يُعدّ حتى وقت قريب “مُحرّماً سياسياً”: الجلوس وجهاً لوجه. وهكذا تحولت الدبلوماسية من “فن إدارة المسافة” إلى “إدارة المواجهة المباشرة”.
واشنطن، التي رعت أول اجتماع رفيع المستوى بين لبنان وإسرائيل منذ أكثر من ثلاثة عقود، تتحرك اليوم باعتبارها مهندساً سياسياً لإعادة ضبط إيقاع المنطقة، وليس مجرد وسيط بين طرفين متخاصمين.
هندسة الجنوب اللبناني
يمثل المسار اللبناني–الإسرائيلي في واشنطن نقطة انعطاف استراتيجية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار أو إعادة ترسيم حدود. فالمعادلة المطروحة اليوم تتجه نحو إعادة صياغة “العقد الأمني” في جنوب لبنان بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، ويؤسس لواقع طويل الأمد من ضبط التصعيد.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق نار أولي لمدة 10 أيام، فإن المشهد لا يزال محكوماً بتوازن هش، حيث تستمر العمليات الميدانية بالتوازي مع المفاوضات، ما يجعل من التهدئة جزءاً من الصراع نفسه وليس نهاية له.
تكمن المعضلة الأساسية في البنية الداخلية اللبنانية، حيث تتداخل الدولة مع قوة عسكرية وسياسية فاعلة هي “حزب الله”، ما يجعل القرار الأمني موزعاً بين أكثر من مركز قوة. هذا التداخل يفرض على أي تسوية أن تأخذ في الاعتبار ليس فقط إسرائيل ولبنان كدولتين، بل أيضاً التوازن الداخلي اللبناني والامتداد الإقليمي للصراع.
“السلام مقابل الأرض”: هل تعود سيناء بنسخة لبنانية؟
إعادة طرح معادلة “السلام مقابل الأرض” في السياق اللبناني تعيد إلى الواجهة النموذج المصري–الإسرائيلي في سيناء، حيث جرى التوصل إلى تسوية تاريخية بين دولتين مركزيتين. لكن إسقاط هذا النموذج على لبنان يصطدم بواقع مختلف جذرياً.
الأرض في الجنوب اللبناني ليست مُجرّد ملف حدودي، بل جزء من معادلة ردع إقليمية ترتبط مباشرة بموقع “حزب الله” في الصراع مع إسرائيل. وبالتالي، فإن أي انسحاب أو إعادة انتشار لا يمكن فصله عن ميزان القوى العسكري والسياسي في الداخل اللبناني، ولا عن التوازن الإقليمي المُمتد من طهران إلى غزة.
ما يُطرح اليوم أقرب إلى “تسوية وظيفية” تقوم على إعادة تعريف مفهوم السيادة والأمن، أكثر من كونه اتفاق سلام تقليدي. إنه انتقال من منطق إنهاء الصراع إلى منطق إدارته ضمن قواعد جديدة.
إسلام آباد: البراغماتية الإيرانية تحت ضغط الواقع
بالتوازي مع المسار اللبناني، تشكل المفاوضات الإيرانية–الأمريكية في إسلام آباد أحد أكثر المسارات حساسية في المنطقة. هذه المفاوضات لا تقتصر على الملف النووي، بل تمتد إلى إعادة توزيع النفوذ في العراق وسوريا واليمن، وضبط حركة الممرات البحرية، والتعامل مع العقوبات الاقتصادية.
وعلى الرغم من استمرار الخطاب الإيراني الذي يصنف الولايات المتحدة باعتبارها “الشيطان الأكبر”، إلا أن الواقع السياسي يكشف عن تحول واضح نحو براغماتية قسرية. طهران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية داخلية وتحديات إقليمية متصاعدة، تتعامل اليوم مع واشنطن بمنطق إدارة التوازنات بدل المواجهة المطلقة.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يعكس انتقالاً تدريجياً من الأيديولوجيا إلى السياسة الواقعية، حيث تصبح المصالح هي المحدد الأساسي للسلوك، لا الشعارات.
لم يعد شعار “الشيطان الأكبر” الذي حكم الخطاب الإيراني لعقود إطاراً حاكماً للعلاقة مع الولايات المتحدة، بل تحول إلى عنصر رمزي في الخطاب الداخلي. في الممارسة العملية، تُدار ملفات معقدة بين الطرفين عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة، ما يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب التعبوي والقرار السياسي الفعلي.
هذا التحول لا يعني تراجعاً أيديولوجياً كاملاً، لكنه يشير إلى إعادة تعريف وظيفة الخطاب نفسه، بحيث يصبح أداة تعبئة داخلية أكثر منه محدداً للعلاقات الدولية.
حزب الله: بين الردع والضغط السياسي
في قلب هذه التحولات، يبرز موقع “حزب الله” بوصفه أحد أكثر عناصر المعادلة تعقيداً. فالحزب الذي شكّل لسنوات طويلة ركيزة أساسية في منظومة الردع الإقليمي، يجد نفسه اليوم أمام ضغوط متعددة الاتجاهات.
من جهة، يستمر في لعب دور عسكري محوري في الجبهة الشمالية لإسرائيل، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطاً داخلية لبنانية مرتبطة بالاقتصاد وإعادة الإعمار والانفتاح الدولي. هذا التناقض يضعه أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على دوره الإقليمي وبين التكيف مع واقع داخلي مأزوم.
بذلك يتحول من قوة ردع تقليدية إلى فاعل سياسي–عسكري يتحرك ضمن قيود متزايدة، في بيئة إقليمية تتغير قواعدها بسرعة.
ترابط الجبهات: من بيروت إلى طهران
أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية هو التشابك العضوي بين الملفات الإقليمية. فما يجري في واشنطن حول لبنان يرتبط مباشرة بما يُبحث في إسلام آباد حول إيران، وما يحدث في اليمن أو غزة ينعكس على كل مسار تفاوضي آخر.
هذا الترابط يحول الشرق الأوسط إلى شبكة تفاوض واحدة، حيث لا يمكن لأي ملف أن يُعالج بمعزل عن الآخر، ما يجعل أي تسوية جُزئية قابلة للتأثير على النظام الإقليمي بأكمله.
وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لا يمثل نهاية مسار، بل بداية اختبار لنموذج جديد من إدارة الصراع. المشهد الإقليمي لا يتجه نحو سلام شامل، ولا نحو حرب كبرى، بل نحو نظام طويل الأمد من “إدارة القلق المستدام”.
في هذا النظام، تتحول المفاوضات المباشرة إلى أداة دائمة لضبط التوتر، وتصبح التسويات الجزئية بديلاً عن الحلول النهائية، فيما يبقى الشرق الأوسط عالقاً بين إرث الصراعات القديمة ومحاولات بناء توازن جديد لم يكتمل بعد.















