بدأت العقوبات الأمريكية على الساحة اللبنانية تتجاوز مفهوم الإجراءات الروتينية التي تستهدف خطوط الإمداد المالي التقليدية لـ”حزب الله”؛ لتتحوّل إلى جبهة اشتباك سياسي وأمني واسع النطاق. وقررت واشنطن تجاوز المعادلة القديمة التي كانت تفصل فيها بين الحزب ومؤسسات الدولة اللبنانية، لتتجه مباشرة نحو تفكيك ما يُعرف بـ “الدولة العميقة” والغطاء الأمني والسياسي الممتد حولها.
لم تحدث هذه الخطوة دفعة واحدة، بل جاءت عبر قرارات متلاحقة بلغت ذروتها في الأيام القليلة الماضية، مع مؤشرات قوية على أن زلزالاً تشريعياً ومالياً أوسع يجرى التحضير له خلف الكواليس لتغيير التوازنات التقليدية.
انهيار تمايز الثنائي الشيعي
تمثل العنوان الأبرز والأكثر إثارة للجدل بالدخول الأمريكي المباشر على خط المقربين من رئيس مجلس النواب وزعيم “حركة أمل”، نبيه بري. فبعد أن نأت واشنطن بنفسها لسنوات طويلة عن استهداف الدائرة اللصيقة ببري لاعتبارات تتعلق بالحفاظ على قنوات الحوار وتسهيل المفاوضات السياسية، انهار جدار الحماية هذا فجأة بإدراج اسمين من أرفع القيادات الأمنية والعسكرية في “أمل”، وهما أحمد أسعد بعلبكي المسؤول الأمني العام للحركة وأحد الصناديق السوداء لبري، وعلي أحمد صفاوي قائد الجناح العسكري الميداني في جنوب لبنان.
لم تكن الرسالة هنا قانونية فحسب، إنما سياسية بامتياز وعالية النبرة، إذ باتت واشنطن تعامل الثنائي الشيعي ككتلة واحدة، وتعتبر التنسيق الميداني والأمني في القرى الجنوبية مبرراً لوضعهما في سلة استهداف مشتركة، ما يمهد الطريق لمسار أشد خطورة في أروقة الكونغرس الأمريكي حيث يقود نواب بارزون مشروع قانون يطالب بفرض عقوبات مباشرة على نبيه بري شخصياً وعائلته، مع إمكانية تتبع أصوله في ولاية ميتشيغان الأمريكية.
سقوط تحالفات الغطاء السياسي
برز في سياق استهداف الغطاء السياسي نموذج جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر والوزير السابق، كأحد أكثر الملفات دلالة على استراتيجية واشنطن في تفكيك تحالفات الحزب الخلفية. ولم تأتِ العقوبات الأمريكية على باسيل تحت لافتة مكافحة الإرهاب المباشرة، بل جرى هندستها عبر قانون “ماغنيتسكي” بتهم تتعلق بالفساد المستشري، واستغلال النفوذ السياسي لجمع الثروات، وتسهيل تقويض مؤسسات الدولة الرسمية.
وبدت الرسالة الأمريكية من وراء إدراج باسيل واضحة، ومفادها أن ثمن منح الغطاء المسيحي أو الوطني لسلاح حزب الله سيكون باهظاً جداً وسيؤدي إلى العزل المالي والسياسي التام، وهو ما نجح بالفعل في محاصرة طموحات باسيل الرئاسية وأحدث شرخاً عميقاً في تحالفاته، ما يثبت أن واشنطن باتت توظف ملفات الحوكمة ومكافحة الفساد كأدوات قوة ناعمة وخشنة في آن واحد لتجفيف البيئة الحاضنة التي يتكئ عليها الحزب لإدارة مفاصل الدولة.
اختراق البيئة الأمنية الرسمية
حققت العقوبات بالتوازي مع محاصرة الغطاء السياسي اختراقاً غير مسبوق للبيئة الأمنية الرسمية للدولة اللبنانية، إذ إنه للمرة الأولى خرجت الأسماء المدرجة من عباءة الأحزاب لتطال ضباطاً في الخدمة الفعالة داخل الأجهزة الرسمية بتهمة تسريب معلومات استخباراتية حساسة لـ”حزب الله”.
شملت القائمة العميد خطار ناصر الدين رئيس دائرة الأمن القومي في مديرية الأمن العام، والعقيد سامر حمادة رئيس فرع مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية لبيروت، وإلى جانبهما الدبلوماسي الإيراني محمد رضا شيباني لدوره في تنسيق عمليات النقل اللوجستي مع الحرس الثوري؛ وتكمن خطورة ملف شيباني في كونه يقيم على الأراضي اللبنانية ويمارس مهامه بشكل غير شرعي، نظراً لرفض الدولة اللبنانية الموافقة على أوراق تعيينه رسمياً أو اعتماده سفيراً لديها.
وتسبب وضع هؤلاء الضباط والمقربين على لوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) بنزع الحصانة التلقائية عن المؤسسات، وتكامل ذلك مع شمول القائمة لكتلة نيابية وسياسية وازنة تابعة مباشرة لحزب الله ضمت برلمانيين حاليين مثل محمد فنيش، وحسن فضل الله، وإبراهيم الموسوي، وحسين الحاج حسن، بهدف تجفيف الدعم التشريعي وإرسال إشارة واضحة بأن الصفة النيابية أو الحصانة البرلمانية لن تحمي أي شخصية تسهم في شرعنة السلاح خارج إطار الدولة.
ملامح لائحة العقوبات الجديدة
لا يبدو أن المشهد سينتهي عند هذا الحد، فالمرحلة المقبلة قد تكون أشد حدة. وهذا ما تؤكد الأجواء الآتية من أروقة وزارة الخزانة الأمريكية وشبكة إنفاذ القوانين المالية، بأن هناك لائحة عقوبات جديدة وأوسع باتت قيد الإعداد الفعلي وتنتظر الضوء الأخضر لصدورها قريباً جداً. وتتحرك هذه اللائحة المرتقبة عبر مسارين متوازيين، يركز الأول، وهو المالي والاقتصادي، على تتبع شبكات الظل ورجال الأعمال والممولين الذين يسهلون عمليات غسيل الأموال أو الالتفاف على العقوبات لصالح قيادات “حركة أمل” و”حزب الله” والشبكات العائلية المرتبطة بهم في دول الاغتراب الإفريقية والأوروبية.
أما المسار الثاني، السياسي، فيرتبط مباشرة بملف العرقلة السياسية وإصلاحات الدولة، حيث تتجه الإدارة الأمريكية نحو إدراج أي شخصية سياسية حليفة يثبت تورطها في عرقلة بسط سلطة الدولة أو منع الجيش من أداء مهامه الميدانية أو تعطيل المؤسسات الدستورية والانتخابات الرئاسية تحت بند تقويض الاستقرار والعملية الديمقراطية.
تشير هذه التحولات إلى أن الولايات المتحدة قررت تغيير قواعد اللعبة بالكامل في لبنان عبر استراتيجية الحصار الشامل التي تضع المنظومة الحاكمة بأكملها أمام خيار الانخراط الجاد في بناء مؤسسات حقيقية وتطبيق القرارات الدولية، أو مواجهة السقوط المالي والسياسي الجماعي تحت مقصلة العقوبات الدولية.















