بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

“ترامب باع ترامب”.. رجل الأعمال الذي ربح من منصبه أكثر مما ربح من شركاته

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

هل كان دونالد ترامب رجل أعمال ناجحاً؟ تبدو الإجابة للوهلة الأولى محسومة؛ فالرجل بنى ثروة كبيرة، وحوّل اسمه إلى علامة عالمية حاضرة في العقار والفنادق وملاعب الغولف والإعلام. لكن قراءة سجله التجاري تكشف صورة أكثر تركيباً: نجاح واضح في تسويق الاسم وتسييل الشهرة، يقابله سجل أكثر اضطراباً في تشغيل الشركات وإدارة الديون وتحقيق عوائد مستقرة تتفوق على السوق.

الأدق أن نجاح ترامب التجاري تركز في مساحة واحدة: تحويل الاسم إلى أصل مالي. بدا أقوى كرجل علامة وصفقات وترخيص تجاري، منه كمدير لشركات مثقلة بالديون أو كمستثمر يراكم العوائد بثبات على المدى الطويل. وحتى تقدير “فوربس” (Forbes) ثروته بنحو 6.5 مليارات دولار في مارس\آذار 2026 لا يحسم الجدل؛ فالرقم يعكس قيمة أصول عقارية وإعلامية ورقمية شديدة التقلب، أكثر مما يقدم دليلاً قاطعاً على كفاءة تشغيلية مستدامة.

ثروة كبيرة وعائد محل جدل

تكشف مسيرة ترامب المالية مفارقة لا يمكن تجاهلها. فهو جمع ثروة كبيرة، لكن السؤال لا يتعلق بحجم المال وحده، بل بكيفية تكوينه وما إذا كانت صفقاته قد تفوقت فعلاً على بدائل استثمارية أبسط وأقل صخباً.

في 2015، قارنت وكالة “أسوشيتد برس” بين نمو ثروة ترامب وما كان يمكن أن يحققه لو استثمر ثروته المقدّرة في العام 1988 في صندوق يتتبع مؤشرS&P 500 (يضم أكبر 500 شركة أمريكية ويعكس أداء السوق ككل)، وخلُصت المقارنة إلى أن الاستثمار الهادئ في المؤشر كان سيقوده إلى نحو 13 مليار دولار بحلول العام نفسه، أي أكثر بكثير من تقديرات ثروته في ذلك الوقت. لا تمثل هذه المقارنة حكماً أكاديمياً نهائياً على أدائه الاستثماري، لكنها تطرح سؤالاً مهماً حول كلفة الصفقات الكبيرة مقارنة بعوائد السوق الأبسط.

وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى سجله الضريبي. فقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن أعمال ترامب الأساسية، بما فيها الكازينوهات والفنادق والمباني السكنية، سجلت خسائر بلغت 1.17 مليار دولار بين العامين 1985 و1994، وهي خسائر مكّنته، بحسب التقرير، من تجنّب دفع ضريبة دخل في ثمانية من تلك الأعوام العشرة. في المقابل، دافع ترامب عن هذه الصورة بالقول إن قواعد الضرائب والاستهلاك في قطاع العقارات تسمح بمثل هذه المعالجات المحاسبية.

هذه المعطيات لا تنفي أن ترامب أصبح ثرياً، لكنها تفرض تمييزاً أساسياً بين الثروة بوصفها نتيجة، والكفاءة التشغيلية بوصفها سبباً. فقد يستطيع رجل أعمال الحفاظ على ثروة شخصية كبيرة، حتى بينما ترتبط باسمه شركات وأصول تتعرض لخسائر أو تعثرات أو عمليات إعادة هيكلة متكررة.

أين كان نموذج ترامب أقوى؟

لم يكن نموذج ترامب التجاري واحداً. بدأ بالعقار، ثم توسع إلى الفنادق والكازينوهات وملاعب الغولف، قبل أن يصبح الاسم نفسه سلعة قابلة للبيع عبر الترخيص والترويج والظهور الإعلامي. في هذه المساحة تحديداً يظهر نجاحه الأوضح. فالإفصاحات المالية العامة التي طغت في العام 2024 أظهرت، بحسب وكالة “رويترز”، أن أعمال ترامب الأميركية في الغولف والضيافة حققت 378 مليون دولار، وأن منتجع “ترامب ناشيونال دورال” وحده حقق 110.4 ملايين دولار. كما كشفت الإفصاحات عن دخل من الترخيص والمشاريع الخارجية، بما في ذلك دبي وفيتنام والهند، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام تمثل في جانب كبير منها إيرادات لا أرباحاً صافية بعد خصم التكاليف.

هذه النقطة مهمة لفهم تحوّل النموذج. فترامب في مراحله المتأخرة لم يكن يعتمد فقط على بناء أصول وتشغيلها، بل على بيع الاسم بوصفه قيمة تجارية. وكلما كان النموذج أخف رأسمالاً، أي قائماً على الترخيص لا على الاقتراض والتشغيل المباشر، بدا أكثر قدرة على توليد المال وتقليل المخاطر.

أما التلفزيون، فكان نقطة تحول حاسمة. برنامج The Apprentice لم يمنح ترامب دخلاً كبيراً فحسب، بل أعاد بناء صورته العامة بعد تعثرات التسعينيات. ونقلت “أكسيوس”عن تحقيق “نيويورك تايمز” أن ترامب حقق أكثر من 427 مليون دولار من البرنامج وصفقات الترخيص المرتبطة به. بهذا المعنى، لم يكن التلفزيون مجرد نشاط جانبي، بل أداة لإعادة تسعير العلامة التجارية نفسها. 

الدَّين من رافعة إلى عبء

في المقابل، تكشف تجربة الكازينوهات حدود نموذج ترامب. فقد اعتمدت بعض مشاريعه على رافعة مالية عالية، وهي استراتيجية قد تعظّم المكاسب عندما ترتفع قيم الأصول، لكنها تصبح شديدة الخطورة في قطاعات دورية ومكلفة مثل الكازينوهات.

إفصاح “ترامب هوتلز آند كازينو ريزورتس” لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أظهر أن ديوناً كبيرة كانت قائمة على كياناته في أتلانتيك سيتي بنهاية 2003، بينها 1.3 مليار دولار من السندات المضمونة المرتبطة بأصول كازينوهات. كما وثّقت سجلات لاحقة دخول الشركة وكيانات تابعة لها في إجراءات إعادة تنظيم بموجب الفصل 11 من قانون الإفلاس الأميركي في 2004.

هنا يجب التمييز بدقة. ترامب لم يعلن إفلاساً شخصياً، لكن شركات مرتبطة باسمه دخلت إعادة هيكلة. أنصاره يرون في ذلك استخداماً مشروعاً لقانون الإفلاس وحماية ذكية للمركز الشخصي. منتقدوه يرونه دليلاً على نموذج يحمّل الدائنين والمستثمرين جزءاً من كلفة التوسع المفرط. السجل يسمح بالقراءتين، لكنه لا يدعم صورة رجل تشغيل متحفظ في استخدام الدَّين.

التكلفة القانونية والسمعية

لا يكتمل تقييم ترامب كرجل أعمال من دون النظر إلى التكلفة القانونية والسمعية. فقضية “ترامب يونيفرسيتي” انتهت بتسوية قيمتها 25 مليون دولار، من دون إقرار بالمسؤولية. وفي العام 2023، فُرضت غرامة جنائية قدرها 1.61 مليون دولار على شركتين تابعتين لمنظمة ترامب بعد إدانتهما في قضية احتيال ضريبي، مع الإشارة إلى أن ترامب نفسه لم يكن متهماً في تلك القضية.  

وفي 2024، صدر حكم مالي ضخم في نيويورك في قضية احتيال مدني تتعلق بتضخيم قيم الأصول، قبل أن تلغي محكمة استئناف في 2025 العقوبة المالية الكبيرة باعتبارها مفرطة، مع بقاء جوانب من القضية موضع نزاع قانوني. لذلك، فالصياغة الدقيقة ليست أن ترامب “بُرئ بالكامل” ولا أنه “أُدين نهائياً” في كل جوانب الملف، بل أن سجله التجاري واجه اختبارات قانونية مكلفة أثرت في صورة أرقامه وثقة خصومه ومؤيديه بها. 

نجاح غير تقليدي

يتغير الحكم على ترامب بتغير معيار القياس. إذا كان النجاح يعني حماية الثروة الشخصية، وتحويل الاسم إلى تدفقات نقدية، والعودة بعد التعثر، وانتزاع صفقات جيدة في لحظات مختارة، فإن ترامب يمثل حالة نجاح واضحة. أما إذا كان النجاح يعني بناء شركات تشغيلية مستقرة، وإدارة الدَّين بحذر، وتحقيق عوائد تتفوق على السوق على المدى الطويل، وتجنب الكلفة القانونية والسمعية، فإن السجل يصبح أضعف بكثير.

ترامب ليس نموذج المستثمر الهادئ الذي يراكم العوائد بثبات، ولا المدير التنفيذي الذي يبني مؤسسة قليلة المخاطر. قوته كانت في مكان آخر: صناعة الرواية، تسعير الاسم، تحويل الشهرة إلى أصل مالي، والاحتفاظ بموقع شخصي قوي حتى عندما تتعثر بعض الشركات المحيطة به.

لذلك، فإن وصفه بأنه “رجل أعمال ناجح” ليس خطأً إذا عُرّف النجاح بالثروة والقدرة على العودة. لكنه وصف ناقص، وربما مضلل، إذا استُخدم للدلالة على تفوق تشغيلي مستقر أو كفاءة استثمارية طويلة الأمد. الخلاصة الأدق أن ترامب نجح في بيع “ترامب” أكثر مما نجح في بناء نموذج تجاري متين يحمل الاسم نفسه.