بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

عملية سياسية

العراق في مخاض حكومي جديد.. الزيدي بين قيود المُحاصصة وضغوط التوازنات الدولية المُعقدة والمُتصاعدة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

دخلت العملية السياسية في العراق مرحلة دقيقة مع تكليف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة، عقب توافق قوى “الإطار التنسيقي” على ترشيحه باعتباره مرشح الكتلة النيابية الأكبر. هذا التكليف جاء بعد أزمة سياسية ممتدة منذ انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، التي تصدّرها ائتلاف “الإعمار والتنمية” بقيادة رئيس الوزراء المُنتهية ولايته محمد شياع السوداني، من دون أن تُفضي إلى حسم سريع لشكل الحكومة المقبلة.

بحسب السيرة الرسمية، وُلد الزيدي العام 1986، ليكون بذلك أصغر من يتولى رئاسة الحكومة في تاريخ العراق الحديث. يحمل شهادات في القانون والمالية والمصرفية، إضافة إلى درجة الماجستير في العلوم المالية، وشغل مواقع إدارية في مؤسسات مصرفية وتعليمية عدة. غير أن ارتباط الزيدي السابق بـ”مصرف الجنوب الإسلامي”، المُدرج على قائمة العقوبات الأمريكية منذ العام 2024، يضعه أمام تحدٍ مُبكر سيلازم مسار حكومته، خصوصاً في ظل حساسية ملف التحويلات المالية والعلاقة مع النظام المصرفي الدولي.

كما يُثير الحضور العائلي في مجالات الإعلام والسياسة تساؤلات إضافية، إذ تدير عائلته مؤسسات إعلامية ولها تمثيل برلماني، ما يُعزز الانطباع بتداخل النفوذ بين المال والإعلام والسلطة، وهو عامل قد يُستحضر بقوة خلال مسار نيل الثقة.

مسار التوافق وظروف الاختيار

لم يكن اختيار الزيدي نتيجة مسار طبيعي بقدر ما جاء كخيار تسوية. فقد تراجعت قوى “الإطار التنسيقي” عن ترشيح نوري المالكي بعد ضغوط أمريكية واضحة، ما دفعها إلى البحث عن شخصية أقل استفزازاً خارجياً وأكثر قابلية للتوافق داخلياً. في هذا السياق، برز الزيدي كخيار “مَرن” لا يمتلك قاعدة سياسية صلبة، ما يجعله مقبولاً من مختلف الأطراف، لكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول مدى استقلالية قراره.

وبموجب الدستور، يمتلك رئيس الوزراء المكلف مُهلة ثلاثين يوماً لتشكيل حكومته، ما يضعه أمام اختبار زمني صعب في ظل تعقيدات التوازنات السياسية.

لا تزال عملية تشكيل الحكومة في العراق خاضعة لمنطق المحاصصة، حيث تُوزّع الوزارات وفق موازين القوى الطائفية والحزبية. تسعى القوى الشيعية إلى الاحتفاظ بالمفاصل الأساسية، بينما تطالب القوى السُّنية بحقائب سيادية وخدمية، في حين يركز الأكراد على ملفات الخارجية والنفط والموازنة.

هذا النمط من التوزيع يحوّل عملية التشكيل إلى مفاوضات شاقة أقرب إلى “سوق سياسي”، حيث تُقدَّم التنازلات المتبادلة مُقابل الدعم، ما يُهدد أي مشروع إصلاحي بالتحول إلى تسويات جزئية تفتقر إلى الرؤية الشاملة.

معوقات بنيوية وضغوط خارجية

التحديات التي تواجه الزيدي لا تقتصر على توزيع الوزارات، بل تمتد إلى بنية الدولة نفسها، حيث تلعب الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة دوراً محورياً في ترسيخ النفوذ السياسي. كما تمثل الفصائل المسلحة عاملاً ضاغطاً، إذ تسعى لضمان حضور يحمي مصالحها داخل مؤسسات الدولة.

إلى جانب ذلك، يبرز ملف العقوبات المرتبطة بالمصرف الذي ترأسه الزيدي، فضلاً عن شبهات تتعلق بعقود تجارية، وهي ملفات قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسية خلال جلسات منح الثقة.

يتأثر تشكيل الحكومة العراقية بشكل مباشر بالتوازنات الدولية والإقليمية. فالموقف الأمريكي الرافض لعودة شخصيات معينة يعكس استمرار النفوذ في القرار السياسي، في حين تحرص إيران على الحفاظ على حكومة لا تبتعد عن مجالها الاستراتيجي.

هذا الواقع يضع الزيدي أمام معادلة معقدة: تحقيق توازن بين متطلبات الدعم الدولي والحفاظ على التماسك الداخلي. ويزيد من صعوبة هذه المعادلة ارتباط اسمه بملف مصرف خاضع للعقوبات، ما قد ينعكس على أي انفتاح اقتصادي أو مالي مستقبلي.

اختبار الاستقرار في بيئة هشة

حتى في حال نجاحه في تمرير حكومته، سيواجه الزيدي تحديات تتعلق بالاستقرار الداخلي، خصوصاً مع غياب بعض القوى المؤثرة عن البرلمان واستمرار احتمالات الاحتجاج الشعبي. فالمطالب المرتبطة بالخدمات وفرص العمل ومكافحة الفساد لا تزال تمثل معيار الحكم على أي حكومة.

يبقى التحدي الأبرز في قدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات دولة فعالة. دون ذلك، ستظل التجربة السياسية رهينة التوازنات الهشة، وسيبقى التغيير محدوداً ضمن إطار النظام القائم.

يمثل تكليف الزيدي محاولة لإعادة إنتاج التوازنات بصيغة أقل صدامية، لكنه لا يشكل بالضرورة تحولاً جذرياً. نجاح التجربة مرهون بمدى قدرته على تجاوز قيود المحاصصة واتخاذ قرارات سيادية مستقلة. وفي ظل استمرار الضغوط الداخلية والخارجية، يبقى مستقبل الحكومة الجديدة مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين تثبيت الاستقرار المؤقت أو الانزلاق مجدداً إلى دوامة الأزمات.