يفرضُ انتخاب نزار آميدي رئيساً لجمهورية العراق واقعاً سياسياً مُثقلاً بالتناقضات، حيث لم يكن صعوده إلى سدة الحكم في “قصر السلام” إعلاناً لنهاية “الانسداد” بقدر ما كان تدشيناً لمرحلة أكثر استعصاءً. فخروج الدخان الأبيض من قبة البرلمان لم يحلّ العقدة العراقية، بل نقلها من رمزية “منصب الرئيس” إلى قلب السلطة التنفيذية: معركة تشكيل الحكومة.
يقف العراق اليوم، أمام مشهد سريالي؛ رئيس منتخب بلا غطاء توافقي شامل، وحكومة عالقة في تجاذبات “الأخوة الأعداء” داخل البيت الشيعي، تحت ظلال كثيفة للصراع الأمريكي-الإيراني الذي جعل من بغداد صندوق بريد للرسائل السياسية والأمنية الساخنة.
شرعية منقوصة وجلسة “كسر إرادات”
لم يأتِ آميدي بتوافق وطني عابر للمكونات، بل جاء نتيجة تسوية قلقة ولدت في غرف التفاوض المظلمة التي تفتقر للحد الأدنى من الثقة بين الشركاء. إن مقاطعة أقطاب بوزن “الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”ائتلاف دولة القانون” لجلسة الانتخاب نزعت عن الحدث صفة “الإجماع الوطني”، وحولته إلى “مناورة سياسية” لكسر الجمود لا لحل الأزمة من جذورها.
هذا الشرخ البنيوي في شرعية الحضور يعني أن الرئيس الجديد يبدأ ولايته مكبلاً بخصومات سياسية ستلقي بظلالها على قدرته في تمرير مرشح رئاسة الوزراء. إن ما جرى كان “عبوراً دستورياً” اضطرارياً، لكنه ترك خلفه جرحاً في جسد التوافق الكردي-الكردي، وفجوة في جدار التحالفات الشيعية، ما يجعل منصب الرئاسة ساحة انتظار قلقة لا ساحة قرار سيادي.
تنتقل كرة اللهب من أروقة الرئاسة إلى قلب “الإطار التنسيقي”، حيث تدور معركة صامتة لكنها حاسمة على هوية رئيس الوزراء المقبل، أي على “رأس السلطة التنفيذية” ومن سيتحكم بمفاصلها ومواردها. هذا الانقسام لا يمكن التعامل معه كخلاف عابر، بل هو صراع عميق بين رؤيتين متناقضتين لإدارة الدولة في لحظة إقليمية وداخلية شديدة الحساسية.
صراع الرؤى: الاستمرارية أم القبضة الصلبة؟
في هذا السياق، يبرز تيار يدفع نحو ما يمكن وصفه بـ”الاستمرارية الواعية”، ويضع ثقله خلف محمد شياع السوداني لولاية ثانية. أصحاب هذا الخيار يرون أن السوداني نجح خلال ولايته في الحفاظ على توازن دقيق بين ضغوط الداخل وتوترات الخارج، وتمكن من إدارة الاقتصاد والخدمات بقدر من الاستقرار النسبي، ما يجعله خياراً آمناً يجنّب البلاد مغامرات سياسية غير محسوبة في مرحلة لا تحتمل الاهتزاز.
في المقابل، تتشكل جبهة أخرى تقودها طموحات نوري المالكي، تقوم على فكرة “التغيير الحاسم” وإعادة الإمساك بمفاصل الدولة عبر ما يشبه “الكتلة الصلبة”. هذا الاتجاه يعتبر أن المرحلة تتطلب قيادة أكثر حزماً ووضوحاً في التموضع السياسي، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازنات الهشة، وهو ما يثير مخاوف من عودة مناخات الاستقطاب الحاد التي أنهكت الدولة العراقية في تجارب سابقة.
رئيس تحت ضغط التوازنات
هذا الانقسام الحاد داخل الإطار التنسيقي يضع الرئيس نزار آميدي في موقع بالغ التعقيد. فبدلاً من أن يمارس دوره كضامن دستوري يقود عملية التكليف، يجد نفسه محكوماً بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات داخل البيت الشيعي، والمتأثرة بدورها بضغوط إقليمية ودولية. وهكذا، يتقلص هامش المبادرة الرئاسية إلى الحد الأدنى، ويتحول موقع الرئاسة من مركز قرار إلى نقطة ترقّب، بانتظار لحظة توافق لم تنضج شروطها بعد.
يتشكل مسار تشكيل الحكومة في العراق تحت تأثير توازن دقيق بين نفوذين متنافسين، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية. تتبنى إيران نهجاً براغماتياً يركّز على الحفاظ على تماسك “الإطار التنسيقي”، باعتبار أن وحدة القوى الشيعية تمثل الضمانة الأساسية لاستمرار نفوذها وبقاء العراق ضمن مجالها الحيوي، من دون انحياز حاسم لأسماء بعينها، بقدر ما تسعى إلى إدارة الخلافات ومنع تفاقمها.
في المقابل، تدفع الولايات المتحدة نحو نموذج “الاستقرار الوظيفي”، مفضّلة شخصيات قادرة على تحقيق توازن داخلي وخارجي، والحفاظ على ارتباط العراق بالاقتصاد العالمي. هدف واشنطن يتمثل في منع انزلاق البلاد نحو التصعيد الإقليمي أو التحول إلى ساحة صراع مفتوح، بما يُهدد مصالحها الأمنية والاقتصادية.
آميدي: هامش المناورة والقيود
يجد نزار آميدي نفسه اليوم أمام مساحة مناورة تضيق يوماً بعد يوم؛ فصلاحياته الدستورية في اختيار المُكلف تصطدم بواقع “الفيتوهات” المتبادلة التي تفرضها القوى العسكرية والسياسية على الأرض. إن الرئيس يدرك تماماً أن أي انحياز لجهة على حساب أخرى قد يفقده التوازن الهش الذي أوصله للمنصب في ليلة دراماتيكية. لذا، يبدو دوره الحالي “بروتوكولياً بامتياز”، ينتظر نضوج “الطبخة السياسية” في المطابخ الإقليمية والمحلية ليبصم عليها، وهو واقع يفرغ منصب الرئاسة من محتواه القيادي والرمزي المفترض.
تؤكد المعطيات الحالية أن تشكيل الحكومة العراقية المقبلة لن يكون وليد حاجة المواطن الذي يعاني من البطالة والفساد وتردي الخدمات، بل سيكون “نتاجاً” لتقاطع مصالح مُعقدة عابرة للحدود
إن نجاح آميدي في الوصول للرئاسة لم يكن سوى “المقبلات” في مأدبة سياسية دسمة ومليئة بالسموم. الحقيقة المرة هي أن العراق ما زال محكوماً بديمقراطية “الصفقات الهشة” التي لا تُنهي الأزمات، بل تعيد تدويرها بوجوه جديدة وأسماء مختلفة. وحتى تتحرر الإرادة السياسية من ضغوط الخارج وطموحات الزعامات التي لا تغادر المشهد، سيبقى العراق عالقاً في “منطقة رمادية”، حيث الرئيس موجود، والحكومة مفقودة، والوطن ينتظر معجزة سياسية لا تبدو قريبة في الأفق.















