يدخل العراق مرحلة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة، مع تصاعد الجهود الحكومية الرامية إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وإنهاء ظاهرة المنظمات المسلحة التي تشكلت خلال سنوات الحرب على الإرهاب والصراعات الإقليمية. وبينما تبدو بعض الفصائل مستعدة للتكيّف مع المتغيّرات الجديدة والانخراط في مؤسسات الدولة، تواصل جماعات أخرى مرتبطة بإيران التمسك بترساناتها العسكرية، ما يضع البلاد أمام اختبار بالغ الحساسية قد يحدد شكل النظام الأمني والسياسي العراقي خلال السنوات المقبلة.
لا يقتصر ملف نزع السلاح على كونه إجراءً أمنياً داخلياً، بل يرتبط مباشرة بإعادة رسم موازين القوى داخل العراق، وبموقع البلاد في شبكة الصراعات الإقليمية. فالحكومة العراقية تدرك أن نجاحها في فرض احتكار الدولة للقوة يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار السياسي وجذب الاستثمارات وإعادة بناء الثقة بمؤسسات الحكم، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والعربية لإنهاء ظاهرة السلاح الموازي.
انقسام داخل البيت الشيعي
أظهرت التطورات الأخيرة وجود تباين واضح بين الفصائل المسلحة بشأن مستقبل سلاحها ودورها السياسي. فقد اختارت قوى بارزة كانت تشكل جزءاً من منظومة الحشد الشعبي إبداء مرونة تجاه المبادرة الحكومية، معتبرة أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز سلطة الدولة وتغليب المؤسسات الرسمية على التشكيلات العسكرية الموازية.
ويبرز التيار الصدري في مقدمة القوى التي تبنت هذا التوجه، إذ دعا زعيمه مقتدى الصدر مراراً إلى حصر السلاح بيد الدولة، كما أعلنت “سرايا السلام” خطوات تهدف إلى تقليص دورها العسكري والاندماج ضمن ترتيبات الدولة الأمنية. كذلك أعلنت “حركة عصائب أهل الحق” فك ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي، في خطوة فُسرت على أنها محاولة للتكيف مع التحولات السياسية الجديدة وتجنّب أي مواجهة مع الدولة.
في المقابل، لا تزال فصائل أخرى أكثر تشدداً تنظر إلى سلاحها باعتباره جزءاً من مشروع عقائدي وإقليمي يتجاوز الحدود العراقية. وتضم هذه الفئة جماعات بارزة مثل “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء”، وهي تنظيمات ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني. وترى الفصائل المسلحة أن التخلي عن السلاح في الظروف الحالية قد يؤدي إلى إضعاف نفوذها وتقليص دورها في المعادلة الإقليمية.
بغداد بين ضغوط الداخل والخارج
تحاول الحكومة العراقية السير في مسار معقد يجمع بين فرض هيبة الدولة وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الفصائل الرافضة. ولهذا الغرض اتخذت سلسلة إجراءات تنظيمية تهدف إلى جرد الأسلحة وإعادة هيكلة العلاقة بين القوى السياسية والتشكيلات المسلحة، في إطار خطة أوسع لتكريس مبدأ احتكار الدولة للقوة.
ويأتي هذا الحراك في ظل اهتمام أمريكي متزايد بملف السلاح غير الخاضع لسلطة بغداد. فواشنطن تنظر إلى الفصائل المرتبطة بإيران باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستقرار العراقي، وترى أن تفكيك الشبكات العسكرية الخارجة عن سيطرة الدولة يشكل خطوة أساسية لتعزيز استقلال القرار العراقي وحماية المصالح الغربية في المنطقة.
في الوقت ذاته، تتعامل طهران بحذر مع هذه التطورات. فهي لا ترغب في خسارة نفوذها السياسي داخل العراق، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن البيئة الإقليمية لم تعد تسمح باستمرار المعادلات السابقة. لذلك يبدو أن إيران تفضل منح حلفائها هامشاً للمناورة والتكيف مع الضغوط الجديدة، مع الحرص على الاحتفاظ بأدوات تأثير قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية مستقبلاً.
تحولات إقليمية تضيق الخناق
جاءت الحملة العراقية لحصر السلاح في توقيت يشهد تغيرات إقليمية عميقة أثرت بصورة مباشرة على وضع الفصائل المسلحة. فقد تراجعت قدرة العديد من الجماعات المرتبطة بإيران على الحركة بحرية كما كان الحال خلال السنوات الماضية، نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرض لها ما يعرف بـ”محور المقاومة” في أكثر من ساحة إقليمية.
كما أن الاتهامات المتكررة الموجهة إلى بعض الفصائل العراقية بالضلوع في هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت دولاً خليجية ومنشآت نفطية أسهمت في زيادة الضغوط على بغداد، التي وجدت نفسها أمام تحدي حماية علاقاتها العربية ومنع استخدام أراضيها منصة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إلى جانب ذلك، أدى تقليص الوجود العسكري للتحالف الدولي وتراجع مبررات “مقاومة الاحتلال” إلى إضعاف أحد أهم الخطابات التي استخدمتها بعض الفصائل لتبرير استمرار احتفاظها بالسلاح خارج إطار الدولة. ومع انحسار هذه الذرائع، باتت المطالبات الشعبية والرسمية بحصر السلاح أكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد العراقي.
بين الاحتواء والصدام
على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي ترافق المشروع الحكومي، فإن الطريق نحو تفكيك السلاح المنفلت لا يزال مليئاً بالعقبات. الفصائل المسلحة نجحت خلال السنوات الماضية في بناء شبكات نفوذ سياسية واقتصادية وأمنية واسعة، كما أن جزءاً كبيراً من عناصرها يعمل ضمن مؤسسات رسمية ويتقاضى رواتب من الدولة، ما يجعل عملية الفصل بين النشاط العسكري والهيكل الحكومي مهمة معقّدة.
وتزداد الصعوبات مع وجود أسلحة نوعية متطورة تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى التي يصعب حصرها أو التحقق من مصيرها بصورة كاملة. كما أن بعض الجماعات الرافضة للاندماج لا تزال ترى نفسها جزءاً من مشروع إقليمي أكبر، ما يجعل استجابتها للضغوط الحكومية محدودة.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العراق يقف بين سيناريوهين رئيسين. الأول يتمثل في نجاح الدولة في استيعاب معظم الفصائل وإعادة دمجها ضمن المؤسسات الرسمية، مع احتواء الجماعات الأكثر تشدداً عبر التفاهمات السياسية والضغوط التدريجية. أما السيناريو الثاني فيتمثل في تعثر عملية التفكيك وتحولها إلى صدامات أمنية محدودة بين القوات الرسمية وبعض الفصائل الرافضة، وهو احتمال من شأنه أن يهدد الاستقرار الداخلي ويعيد إنتاج أزمات العنف التي عانى منها العراق خلال العقدين الماضيين.
بين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة في العراق. فنجاح مشروع حصر السلاح بيد الدولة لن يعني فقط إعادة تنظيم المشهد الأمني، بل سيشكل اختباراً حقيقياً لقدرة بغداد على استعادة سيادتها الكاملة وصياغة معادلة جديدة تقوم على سلطة المؤسسات بدلاً من تعدد مراكز القوة والنفوذ.















