بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إيران: الإرهاب أداة نفوذ استراتيجية (2-3)

شبكات النفوذ غير المباشر في الشرق الأوسط: قراءة تحليلية في تطوّر أدوات القوة الإقليمية وتحوّلات أنماط الصراع

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يكشف تتبّع السلوك الإيراني في العالم العربي عن نمط متماسك يقوم على استخدام العنف غير المباشر كأداة نفوذ استراتيجية، لا كاستثناء ظرفي. فبدلاً من المواجهات التقليدية بين الدول، برز نموذج يقوم على بناء فاعلين مسلحين داخل الدول نفسها، يعملون كأذرع ميدانية لمشروع سياسي ممتد.

تجلّى هذا النموذج بدرجات متفاوتة في عدد من الدول العربية، من لبنان عبر دعم “حزب الله”، إلى العراق من خلال الفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي، مروراً بسوريا واليمن حيث تحوّلت الجماعات الحليفة لطهران إلى أدوات تأثير عسكري وسياسي عابر للحدود.

هذا النمط أنتج ما يمكن تسميته بـ”الإرهاب الشبكي”، حيث لا يكون القرار مركزياً بالكامل، بل موزعاً ضمن منظومة تضم الحرس الثوري، وميليشيات محلية، وشبكات تمويل واقتصاد موازٍ؛ ما يمنح هذا النموذج قدرة على الاستمرار حتى تحت الضغط العسكري والسياسي.

في هذا السياق، لا يظهر العنف كأحداث متفرقة، بل كمنهج عمل قائم على تفكيك الدولة من الداخل، وإضعاف احتكارها للعنف المشروع، وتحويله إلى مجال تنافس بين قوى متعددة، بعضها محلي وبعضها مرتبط بأجندات خارجية.

الميليشيات كأدوات لإعادة هندسة الدول

في قلب هذا النموذج، تُستخدم الميليشيات كأدوات متعددة الوظائف، تتجاوز البعد العسكري إلى أدوار سياسية واقتصادية واجتماعية. فهي لا تعمل فقط في ساحات القتال، بل داخل المؤسسات، وفي الاقتصاد المحلي، وحتى في إدارة الخدمات في بعض المناطق. هذا التمدد يجعلها جزءاً من النسيج اليومي، ويصعّب عملية فصلها عن الدولة لاحقاً.

الأخطر في هذا المسار أن هذه الكيانات لا تُنتج فقط اضطراباً أمنياً، بل تُعيد تعريف الدولة نفسها، بحيث تصبح السلطة موزعة بين مؤسسات رسمية ضعيفة وقوى مسلحة تمتلك قدرة على الفرض والتعطيل والتوجيه. ومع الوقت، يتحول العنف إلى عنصر بنيوي في الحياة السياسية، لا استثناءً طارئاً، وهو ما يُشكّل جوهر “الإرهاب المنظّم” في هذا السياق الإقليمي.

لبنان: نموذج الدولة الموازية 

يُعدّ لبنان المثال الأكثر وضوحاً على هذا النمط. فمنذ نشأة “حزب الله” في الثمانينيات، ارتبطت بنية التنظيم بمشروع إقليمي يتجاوز حدود الدولة اللبنانية، ويقوم على بناء قوة مسلحة موازية تمتلك ترسانة عسكرية واسعة وشبكة نفوذ سياسي واقتصادي وإعلامي.

وعلى الرغم من التحولات الكبرى التي شهدها لبنان، فإن هذا النموذج لم يتغير في جوهره؛ فقد تعرّض الحزب خلال السنوات الأخيرة لضربات عسكرية وأمنية أدت إلى فقدان عدد كبير من القيادات وإضعاف بعض بنيته العملياتية، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى انهياره، بل إلى إعادة هيكلة داخلية أكثر تشدداً في الارتباط بالحرس الثوري الإيراني. هذا النمط من التكيّف يعكس قدرة عالية على امتصاص الصدمات، ويجعل من لبنان ساحة دائمة التوتر، حيث تتداخل الدولة مع الفاعل المسلح في معادلة غير مستقرة.

العراق وسوريا: إعادة تشكيل السيادة عبر الفصائل

في العراق، شكّل العام 2003 نقطة تحول كبرى سمحت بإعادة توزيع القوى داخل الدولة. فقد نشأت فصائل مسلحة متعددة، بعضها ارتبط مباشرة بالدعم الإيراني، ثم جرى دمج جزء منها لاحقاً ضمن مؤسسات الدولة تحت إطار “الحشد الشعبي”. غير أن هذا الدمج لم يُنهِ ازدواجية السلطة، بل عمّقها، بحيث باتت بعض هذه الفصائل تمتلك قدرة على التأثير في القرار السياسي والأمني، وأحياناً تعطيله بما يخدم توازنات إقليمية أوسع.

أما في سوريا، فقد اتخذ التدخل الإيراني بعد العام 2011 طابعاً عسكرياً مباشراً هدفه الأساس منع سقوط نظام الأسد. غير أن مسار الحرب السورية، خصوصاً في سنواتها الأخيرة، لم يَسِر وفق ما أرادته طهران. فمع تراجع قدرة دمشق على استعادة السيطرة الكاملة، وتزايد الضغوط العسكرية والاقتصادية، بدأت ملامح اندحار النفوذ الإيراني تتكشف تدريجاً، وصولاً إلى لحظة انهيار النظام في 2025 وسقوطه الفعلي، وهو تطور شكّل ضربة استراتيجية كبرى للمشروع الإيراني في المشرق.

هذا السقوط لم يكن حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات طويلة من الاستنزاف العسكري وتآكل البنية الداخلية للنظام، إضافة إلى تمدد قوى محلية وإقليمية أعادت رسم موازين السيطرة على الأرض. ومع انهيار مركز السلطة في دمشق، فقدت طهران الحلقة الأهم في ما كانت تعتبره “الجسر الاستراتيجي” الممتد من إيران إلى لبنان عبر العراق وسوريا.

بذلك، لم يعد الوجود الإيراني في سوريا قائماً على منطق التمكين التدريجي، بل دخل مرحلة تراجع وانكماش، تحولت إثرها بعض قواعده إلى نقاط معزولة فاقدة للعمق السياسي الذي كانت تعتمد عليه. ومع تغير خريطة السيطرة، أصبحت قدرة طهران على إعادة التموضع أكثر محدودية، في ظل واقع جديد لم يعد يسمح بإعادة إنتاج النموذج السابق نفسه، ما يعكس انتقال سوريا من ساحة نفوذ يمتد إلى ساحة إعادة تشكل مفتوحة على توازنات مختلفة كلياً.

اليمن: تحويل الجغرافيا إلى أداة تهديد اقتصادي

في اليمن، يتجلى هذا النمط بشكل مختلف، حيث يتم توظيف الجغرافيا الاستراتيجية كأداة ضغط إقليمي ودولي. فقد تحولت جماعة الحوثيين إلى فاعل يستخدم موقع اليمن على الممرات البحرية الحيوية لتهديد حركة التجارة العالمية، خصوصاً في البحر الأحمر وباب المندب.

الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية في العام 2019، إضافة إلى التصعيد في 2024 و2025 ضد السفن التجارية، لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على “الإرهاب الاقتصادي”، أي استخدام تعطيل الإمدادات وسلاسل الشحن كوسيلة ضغط سياسية. هذا النمط يرفع من مستوى الصراع من الإطار المحلي إلى الإطار الدولي، ويجعل الأمن الإقليمي جزءاً من الأمن العالمي.

الرهاب الأمني وتآكل الدولة الوطنية

تنتج هذه السياسات مجتمعة حالة من القلق الأمني المتراكم في الإقليم، لا تقوم فقط على الخوف من العمليات المسلحة، بل على إدراك أن هذه العمليات أصبحت جزءاً من بنية سياسية واقتصادية متكاملة؛ فالعنف لم يعد حدثاً طارئاً، بل أداة إدارة صراع مستمرة، تُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدول وبينها.

هذا الواقع أسهم في ترسيخ حالة من “الرهاب الأمني الإقليمي”، بحيث تتداخل الحسابات العسكرية مع السياسية والاقتصادية في مشهد واحد شديد التعقيد، يجعل من الصعب الفصل بين الدولة والفاعل غير الحكومي، أو بين الداخل والخارج.

تحديات الاحتواء وإعادة تعريف الدولة

على الرغم من تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية على هذا النموذج، فإن تفكيكه يبقى معقداً؛ فالكثير من هذه الكيانات المسلحة لم تعد تعتمد كلياً على الدعم الخارجي، بل طورت شبكات تمويل محلية واقتصاديات موازية منحتها قدرة على الاستمرار حتى في حال تراجع الدعم المباشر.

كما أن اندماج بعضها في البنية السياسية أو الاقتصادية للدول يجعل من عملية احتوائها مساراً طويل الأمد، يتطلب إعادة بناء شاملة لمفهوم الدولة واحتكارها للعنف، تُضاف إلى الحلول الأمنية الآنية.

لا يمكن فهم التحولات الجارية في الشرق الأوسط “العربي” من دون إدراك طبيعة هذا النمط من “الإرهاب المنظّم”، الذي يجمع بين العنف المباشر وغير المباشر، وبين العمل المسلح والاختراق السياسي، وبين الدولة و”اللا-دولة”. وبينما تتصاعد الجهود الإقليمية والدولية لإعادة الاستقرار، يبقى التحدي الجوهري في مواجهة شبكات أضحت جزءاً من البنية الداخلية لعدد من الدول، وأعادت تعريف مفهوم السيادة والأمن والاستقرار في الإقليم بأكمله بطريقة لم تعد قابلة للتجاهل أو التبسيط.