بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

ضغوط دولية

“القرض الحسن”.. مصرف ظل يكرّس اقتصاد وسطوة “حزب الله” ويعمّق عزلة لبنان المالية تحت ضغط العقوبات والانهيار

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تعود مؤسسة “القرض الحسن” إلى واجهة المشهد المالي اللبناني من جديد في لحظة شديدة الحساسية، وسط تصاعد الضغوط الدولية على شبكات التمويل المرتبطة بـ”حزب الله”، المصنف تنظيماً إرهابياً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية والعربية.

مع إعادة تشغيل عدد من الفروع والمراكز التابعة للمؤسسة بعد الأضرار التي لحقت بها خلال المواجهات العسكرية الأخيرة، يتجدد الجدل حول طبيعة الدور الذي تؤديه هذه الجمعية، التي تعمل تحت غطاء “الخيرية” فيما تمارس فعلياً أنشطة مالية واسعة خارج إطار النظام المصرفي الرسمي اللبناني.

تثير عودة نشاط المؤسسة مخاوف متزايدة من توسع الاقتصاد النقدي الموازي في لبنان، خصوصاً في ظل الانهيار الذي أصاب القطاع المصرفي التقليدي منذ العام 2019، ما أتاح للقرض الحسن توسيع قاعدة المتعاملين معها واستقطاب شرائح جديدة من المواطنين الباحثين عن السيولة والقروض السريعة بعيداً عن القيود المصرفية. غير أن هذا التوسع ترافق مع تصاعد الاتهامات الدولية للمؤسسة بأنها تشكل إحدى أبرز القنوات المالية المرتبطة بتمويل أنشطة حزب الله وشبكاته الاقتصادية والعسكرية.

أذرع مالية خارج سلطة الدولة

تنتشر فروع “القرض الحسن” بشكل أساسي في الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان ومنطقة البقاع، وقد وصل عددها قبل الحرب الأخيرة إلى أكثر من ثلاثين فرعاً. وتعرّض عدد من هذه الفروع للاستهداف خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية العام 2024، خصوصاً المراكز التي قيل إنها تحتوي على خزائن للذهب أو بيانات مالية حساسة. إلا أن المؤسسة سارعت إلى استئناف عملها عبر نقاط بديلة ومكاتب مؤقتة، في محاولة للحفاظ على تدفق السيولة ومنع انهيار شبكتها المالية.

ويعتمد نشاط المؤسسة بصورة أساسية على منح قروض مقابل رهن الذهب، إضافة إلى تقديم خدمات مالية شبيهة بالخدمات المصرفية التقليدية، لكن من دون خضوع مباشر لرقابة مصرف لبنان أو لقانون النقد والتسليف.

هذا النموذج لا يهدد فقط سلامة النظام المصرفي، بل يخلق أيضاً بنية اقتصادية مرتبطة بالولاءات السياسية والأمنية، حيث تتحول الخدمات المالية إلى أداة نفوذ اجتماعي وسياسي تستخدمها المنظومات الحزبية لتعزيز حضورها داخل البيئات الهشة اقتصادياً.

عملاء بين الحاجة والارتهان

معظم المتعاملين مع “القرض الحسن” ينتمون إلى البيئة الاجتماعية الداعمة لحزب الله، وهي البيئة نفسها التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لموجات نزوح ودمار وخسائر اقتصادية كبيرة نتيجة المواجهات العسكرية مع الجيش الإسرائيلي والتصعيد الأمني في الجنوب والضاحية والبقاع. وقد وجدت شريحة واسعة من هؤلاء نفسها أمام انهيار اقتصادي شامل، ما دفعها إلى الاستعانة بالمؤسسة للحصول على قروض أو سيولة نقدية سريعة.

عمدت “القرض الحسن” استغلال هذا الواقع المأزوم لتكريس حالة من الارتهان المالي والاجتماعي داخل بيئة الحزب، عبر ربط احتياجات الناس اليومية بمنظومة مالية تديرها جهة سياسية مسلحة خارج إطار الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن القروض والخدمات التي تقدمها المؤسسة لا يمكن فصلها عن البعد السياسي والأمني الذي تستخدمه القوى المرتبطة بالحزب لتعزيز النفوذ وضبط البيئة الحاضنة.

ومن جهة أخرى، فإن اعتماد المؤسسة على الذهب المرهون يمنحها قدرة كبيرة على التحكم بالمقترضين، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد وغياب البدائل المصرفية الفعلية، ما يجعل آلاف العائلات عرضة لخسارة مدخراتها ومقتنياتها الذهبية في حال التعثر المالي.

العقوبات الأمريكية وتُهم التمويل

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على “القرض الحسن” منذ العام 2007، قبل أن توسعها لاحقاً في العام 2016، متهمة المؤسسة بتسهيل نقل الأموال لصالح حزب الله وتقويض استقرار الدولة اللبنانية. كما وصفتها تقارير أمريكية بأنها “المصرف الأسود” التابع للحزب.

وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت واشنطن حزمة جديدة من العقوبات استهدفت شبكات مرتبطة بالمؤسسة، من بينها شركات تعمل في تجارة الذهب وصرافة الأموال. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية، إن هذه الكيانات تُستخدم لتحويل احتياطات الذهب إلى سيولة نقدية تدعم أنشطة الحزب العسكرية والسياسية. كما أشارت البيانات الأمريكية إلى أن “القرض الحسن” استُخدمت لتأسيس شركات واجهة تهدف إلى الالتفاف على العقوبات الدولية وتأمين تدفقات مالية مستمرة.

ما يزيد من خطورة هذه الشبكات هو أنه لا تكمن فقط في قدرتها على تأمين التمويل، بل في مرونتها العالية وقدرتها على التكيّف السريع مع العقوبات والتحولات الدولية. فكلما أُغلقت قناة مالية، يجري استحداث مسارات بديلة عبر شركات واجهة أو وسطاء محليين أو منصات رقمية يصعب إخضاعها للرقابة التقليدية. كما أن اعتماد هذه المنظومة على الانتشار الجغرافي الواسع بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا يمنحها قدرة استثنائية على تفكيك حركة الأموال وإخفاء مصادرها الحقيقية. هذا النمط من “الاقتصاد العابر للحدود” بات يشكل تحدياً متزايداً للأجهزة المالية والأمنية الغربية، خصوصاً مع تداخل شبكات التهريب والجريمة المنظمة مع البنية المالية المرتبطة بحزب الله. 

تحديات قانونية وسيادية

قانونياً، لا تزال مؤسسة القرض الحسن مسجلة كجمعية لدى وزارة الداخلية اللبنانية بموجب علم وخبر يعود إلى العام 1987، وليست مصرفاً مرخصاً من مصرف لبنان المركزي، على الرغم من ممارستها خدمات مالية واسعة النطاق. وهذا الوضع يمثل التفافاً واضحاً على قانون النقد والتسليف، خصوصاً أن المؤسسة تمارس أعمالاً مالية ومصرفية من دون أي ترخيص رسمي.

كما أنها لا تخضع لرقابة “لجنة الرقابة على المصارف”، أو لآليات “هيئة التحقيق الخاصة” المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ما يجعل عملياتها المالية تدور بالكامل تقريباً خارج النظام الرقابي اللبناني الرسمي.

يعكس استمرار نشاط “القرض الحسن” بهذا الشكل حجم التآكل الذي أصاب مؤسسات الدولة اللبنانية، فقد باتت كيانات مالية موازية قادرة على العمل خارج السيادة النقدية والقانونية للدولة، في وقت يواجه فيه لبنان عزلة مالية متزايدة وضغوطاً دولية متصاعدة لإعادة ضبط قطاعه المصرفي ومحاصرة شبكات التمويل غير الشرعية.