تعكس المعطيات التي برزت خلال الساعات الأخيرة تحولاً نوعياً في مسار التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، إذ تشير التسريبات الدبلوماسية إلى تضييق فجوات أساسية كانت حتى وقت قريب تمثل معوقاً شبه مستحيل أمام أي اختراق. هذا التقدم لا يعني الوصول إلى اتفاق نهائي، لكنه يكشف عن انتقال الطرفين من مرحلة إدارة التصعيد إلى اختبار حلول واقعية.
اللافت في هذا التطور هو تركيزه على “المرحلية” كمدخل للتسوية؛ أي البدء بإجراءات محدودة لكنها ذات أثر سريع، مثل خفض مستويات تخصيب اليورانيوم أو تجميد بعض الأنشطة الحساسة، مقابل تخفيف جزئي ومدروس للعقوبات. هذا النمط يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الاتفاق الشامل بات أكثر تعقيداً من أن يُنجز دفعة واحدة، وأن بناء الثقة يتطلب خطوات تدريجية قابلة للتحقق.
كما لعبت الوساطة الإقليمية، خصوصاً عبر سلطنة عُمان، دوراً محورياً في تهيئة هذا المناخ، مستفيدة من خبرتها السابقة في إدارة قنوات التواصل السرية بين الطرفين. هذه الوساطة لم تقتصر على نقل الرسائل، بل ساهمت في صياغة مقترحات وسطية خففت من حدة التباينات.
تصريحات واشنطن الحذرة
تعكس التصريحات الصادرة عن الجانب الأمريكي مقاربة حذرة تقوم على موازنة التفاؤل التكتيكي مع التشدد الاستراتيجي. فمن جهة، يقر المسؤولون بوجود “تقدم حقيقي”، ومن جهة أخرى يحرصون على التأكيد من أن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً. هذه اللغة المزدوجة لا تمثل حذراً دبلوماسياً فحسب، إنما هي ضغوط داخلية قوية، سواء من الكونغرس أو من الحلفاء الإقليميين.
الولايات المتحدة لا تنظر إلى الاتفاق من زاوية نووية بحتة، بل كجزء من معادلة أوسع تتعلق بإعادة ترتيب أولوياتها العالمية، خاصة في ظل تركيزها المتزايد على التنافس مع الصين. لذلك، تسعى واشنطن إلى “إغلاق” الملف الإيراني أو على الأقل تجميده ضمن إطار يمكن التحكم به، من دون الانجرار إلى حرب مكلفة.
في هذا السياق، يبقى دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية محورياً، حيث تصر واشنطن على توسيع صلاحياتها لضمان رقابة صارمة ومستدامة. كما تعكس الإشارات المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ سواء كصانع قرار مباشر أو كفاعل مؤثر في المشهد السياسي؛ استمرار نهج “الضغط الأقصى” بصيغته المعدلة، أي الجمع بين العقوبات والانفتاح المشروط.
بعبارة أخرى، الموقف الأمريكي لا يهدف فقط إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني، بل إلى إعادة صياغة سلوك طهران الإقليمي ضمن حدود مقبولة، وهو ما يفسر تمسكه بربط الملف النووي بملفات أخرى، ولو بشكل غير مباشر.
ردود طهران الرسمية
في المقابل، تكشف التصريحات الإيرانية عن براغماتية واضحة، لكنها محكومة بسقف سياسي صارم. طهران تدرك أن الوضع الاقتصادي الداخلي لم يعد يحتمل استمرار العقوبات، خصوصاً مع تدهور العملة وارتفاع معدلات التضخم، ما يجعل أي انفراج اقتصادي ضرورة مُلحة وليس خياراً سياسياً.
مع ذلك، تحرص القيادة الإيرانية على عدم الظهور بمظهر المتراجع، لذلك تركز تصريحاتها على مفاهيم “الحقوق السيادية” و”الالتزام المتبادل”. فهي تقبل بمبدأ التفاوض، لكنها ترفض أي صيغة تُفسر داخلياً على أنها تنازل تحت الضغط. من هنا، يأتي إصرارها على رفع العقوبات بشكل فعلي وملموس، وليس مجرّد وعود أو تخفيفات جزئية.
كما تظل مسألة الضمانات في صلب الموقف الإيراني، خصوصاً بعد تجربة خطة العمل الشاملة المشتركة، التي انسحبت منها واشنطن لاحقاً. هذا الإرث يجعل طهران أكثر تشدداً في المطالبة بضمانات تمنع تكرار السيناريو نفسه، على الرغم من إدراكها لصعوبة تحقيق ذلك ضمن النظام السياسي الأمريكي.
إلى جانب ذلك، ترفض إيران بشكل قاطع توسيع نطاق التفاوض ليشمل برنامجها الصاروخي أو نفوذها الإقليمي، معتبرة أن هذه القضايا تقع خارج إطار التفاوض النووي، وتشكل جزءاً من أمنها القومي غير القابل للمساومة.
الهواجس الأمنية الإسرائيلية وتأثيرها
يبقى العامل الإسرائيلي حاضراً بقوة في خلفية هذا المسار التفاوضي، حتى وإن لم يكن طرفاً مباشراً فيه. تل أبيب تنظر إلى أي تقارب بين واشنطن وطهران من زاوية أمنية بحتة، وترى أن أي تخفيف للعقوبات قد يمنح إيران موارد إضافية لتعزيز نفوذها الإقليمي. لذلك، تكثف ضغوطها السياسية والدبلوماسية على واشنطن لضمان أن لا يشمل أي اتفاق تساهلاً مع ما تعتبره “الخطوط الحمراء” المرتبطة ببرنامج إيران النووي.
كما لا تستبعد إسرائيل خيار التحرك الأحادي، سواء عبر عمليات استخباراتية أو ضربات محدودة، في حال رأت أن المفاوضات تسير نحو اتفاق لا يحقق متطلباتها الأمنية. هذا الموقف يضيف طبقة أخرى من التعقيد على مسار التفاوض، ويفرض على واشنطن موازنة دقيقة بين الانخراط الدبلوماسي مع طهران والحفاظ على التزاماتها الاستراتيجية تجاه حلفائها في المنطقة.
تحديات اللحظة الحاسمة
على الرغم من المؤشرات الإيجابية، لا تزال المفاوضات تواجه اختباراً حقيقياً في هذه المرحلة الحساسة. الفجوات المتبقية، وإن بدت تقنية، تحمل أبعاداً سياسية عميقة. على سبيل المثال، مسألة “التفتيش السريع” ليست مُجرد إجراء رقابي، بل تمس جوهر السيادة الإيرانية، في حين تراها واشنطن ضمانة أساسية لأي اتفاق.
كذلك، يمثل النطاق المحدد موضع خلاف مركزي، هل يكون اتفاقاً نووياً محدوداً، أم إطاراً أوسع يعالج التوترات الإقليمية؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بالمضمون، بل بهوية الاتفاق الاستراتيجية ومستقبله.
في واقع الأمر، تقف المفاوضات عند نقطة توازن دقيقة بين الفرصة والانهيار. فإما أن يتم استثمار الزخم الحالي للوصول إلى اتفاق مرحلي يفتح الباب أمام تسوية أوسع، أو تضيع هذه الفرصة تحت وطأة الحسابات المعقدة، لتعود الأزمة إلى مربع التصعيد. فما يحدث الآن لا يمثل نهاية الصراع، بل ربما بداية مرحلة جديدة منه، عنوانها إدارة التنافس بدلاً من حسمه.















