بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

اعتقال محمد باقر السعدي يكشف اتساع الاتهامات العابرة للقارات ضد “كتائب حزب الله” العراقية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يكشف اعتقال الولايات المتحدة الأمريكية للقيادي البارز في “كتائب حزب الله” العراقية محمد باقر سعد داود السعدي عن تطور نوعي في طبيعة المواجهة بين واشنطن وبعض الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، إذ لم يعد الملف محصوراً في ساحات الشرق الأوسط، بل امتد وفق الاتهامات الأمريكية إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، ليأخذ طابعاً قضائياً عابراً للقارات.

بحسب لائحة الاتهام التي أصدرتها وزارة العدل الأميركية، فإن السعدي يواجه اتهامات ثقيلة تتعلق بتنسيق وتخطيط ما لا يقل عن 18 هجوماً في أوروبا استهدفت أمريكيين ويهوداً، إضافة إلى مزاعم بتورطه في هجمات ومحاولات هجمات في كندا والولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك استهداف مواقع يهودية حساسة في نيويورك ولوس أنجلوس وأريزونا.

وتقدم الرواية الأمريكية صورة عن نشاط شبكي منظم، يرتبط؛ وفق الادعاء؛ بـ”كتائب حزب الله” العراقية، المصنّفة من قبل واشنطن كمنظمة إرهابية أجنبية ومقرّها العراق، وبعلاقتها الوثيقة مع “الحرس الثوري الإيراني”. إلا أن هذه الاتهامات تبقى في إطار الادعاء القضائي ولم يصدر حكم نهائي بشأنها، ما يجعلها جزءاً من مسار قانوني مفتوح أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك.

شبكة الاتهامات العابرة للقارات

تستند لائحة الاتهام إلى سردية واسعة النطاق تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، إذ تشير إلى سلسلة هجمات وقعت في أوروبا بين مارس/آذار وأبريل/ نيسان الماضيين، شملت تفجيرات وحرائق متعمدة استهدفت معابد يهودية ومدارس ومرافق مدنية في مدن مثل لييج وروتردام وأمستردام ولندن.

وتشير الوثائق إلى أن هذه العمليات نُفذت تحت غطاء اسم مستعار هو “حركة أصحاب اليمين الإسلامية”، وأنها كانت جزءاً من استراتيجية تهدف إلى ضرب مصالح إسرائيل والولايات المتحدة في الخارج. كما تشير الاتهامات إلى أن السعدي استخدم وسائل التواصل الاجتماعي لترويج خطاب انتقامي وتحريض على تنفيذ عمليات ضد أهداف غربية ويهودية.

ومن بين أبرز ما ورد في ملف الادعاء، محاولة مزعومة لتفجير كنيس يهودي في نيويورك، حيث تقول السلطات الأمريكية إن السعدي اعتقد أنه يتواصل مع عنصر من عصابة مخدرات مكسيكية، بينما كان في الواقع يتعامل مع عميل سري تابع لجهات إنفاذ القانون. وبحسب الرواية، فقد عرض دفع 10 آلاف دولار لتنفيذ الهجوم وأصر على توقيته وتوثيقه.

الاعتقال ومسار التسليم الدولي

تشير إفادات قانونية إلى أن السعدي اعتُقل في تركيا أثناء انتقاله قادماً من روسيا، قبل أن يُنقل إلى الولايات المتحدة عبر عملية تسليم دولية معقدة لم تُكشف تفاصيلها بالكامل. وقد مثل أمام محكمة فيدرالية في المنطقة الجنوبية من نيويورك، التي قررت احتجازه من دون كفالة بانتظار المحاكمة.

ويعكس هذا المسار، وفق محللين قانونيين، توسعاً في استخدام الولايات المتحدة لما يُعرف بالولاية القضائية الممتدة، حيث يتم ملاحقة مشتبه بهم خارج الأراضي الأمريكية عبر التعاون الاستخباراتي والقضائي مع دول ثالثة. كما يشير إلى تصاعد دور الأدوات الأمنية غير العسكرية في إدارة الصراع مع شبكات تعتبرها واشنطن تهديداً مباشراً.

في المقابل، أثار محامي الدفاع جدلاً قانونياً حين وصف موكله بأنه “سجين سياسي وأسير حرب”، معتبراً أن القضية مرتبطة بسياق سياسي أوسع يتعلق بالجنرال الإيراني الراحل قاسم سليماني، الذي قُتل في ضربة أمريكية العام 2020.

البعد السياسي والأمني للقضية

تتجاوز هذه القضية حدود الملف الجنائي لتدخل في قلب التوازنات الإقليمية الحساسة، خصوصاً مع إدراج أسماء قيادية مرتبطة بـ”الحرس الثوري الإيراني” و”كتائب حزب الله” ضمن سياق الاتهامات. وتشير الوثائق إلى صلات مزعومة مع شخصيات عسكرية وأمنية بارزة، من بينها قيادات في “فيلق القدس”، وهو ما يعكس؛ وفق الرواية الأمريكية؛ تشابكاً بين الفعل الميداني والامتداد التنظيمي العابر للحدود.

وتبرز هنا إشكالية مركزية تتعلق باستخدام القضاء كأداة ضمن منظومة الردع الاستراتيجي، حيث تصبح لوائح الاتهام ومذكرات التوقيف وسيلة لتقييد الحركة الدولية وإعادة تعريف قواعد الاشتباك مع الفاعلين غير الجهات الحكومية.

في الوقت نفسه، تضع هذه التطورات العراق في موقع حساس، إذ ترتبط بعض هذه الاتهامات بفصائل تنشط داخله، ما ينعكس على علاقاته الدبلوماسية والأمنية مع الولايات المتحدة، ويزيد من تعقيد ملف السيادة والتعاون الأمني.

تداعيات أوروبية وأمريكية متشابكة

تشير تفاصيل القضية إلى أن سلسلة الهجمات في أوروبا؛ من بلجيكا إلى هولندا وبريطانيا؛ ترافقت مع تصعيد استهداف رموز يهودية ومرافق مدنية، بينها معابد ومدارس وحتى هجمات طالت بنكاً في أمستردام، إضافة إلى حادثة طعن في لندن.

وتقول السلطات الأمريكية إن هذه العمليات جاءت ضمن نمط منسق، وأنها كانت جزءاً من استراتيجية أوسع للرد على الحرب في المنطقة وتعزيز أهداف سياسية وأيديولوجية مرتبطة بـ”كتائب حزب الله” و”الحرس الثوري”. إلا أن هذه الرواية لا تزال محل اختبار قضائي، ولم يتم إثباتها نهائياً أمام المحكمة.

كما تثير القضية نقاشاً داخل الولايات المتحدة حول فعالية أدوات إنفاذ القانون في مواجهة تهديدات عابرة للحدود، في مقابل الجدل السياسي حول توظيف هذه القضايا في سياق أوسع من المواجهة مع إيران وحلفائها.

يعكس ملف محمد باقر السعدي؛ كما تقدمه الرواية الأمريكية؛ تحولاً في طبيعة الصراع من ساحات المواجهة التقليدية إلى ساحات قانونية واستخباراتية ممتدة عبر القارات. وبينما تستمر الإجراءات القضائية، تبقى كل الاتهامات في إطارها الأولي إلى حين صدور حكم قضائي نهائي، فيما تتوسع التداعيات السياسية والأمنية لتشمل العراق وأوروبا والولايات المتحدة في آن واحد.