بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

اقتصاد سياسي

بعد إقرار تعيينه.. كيفن وارش أمام اختبار إعادة صياغة دور “الفيدرالي” في اقتصاد مضطرب

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

أقر مجلس الشيوخ، بأغلبية 54 صوتاً، تعيين كيفن وارش رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول، في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً التي تواجه الاقتصاد الأمريكي منذ سنوات، وسط توترات خارجية متصاعدة، وانقسام سياسي داخلي، وضغوط متزايدة على استقلالية البنك المركزي.

يأتي تعيين وارش، حليف ترامب، في وقت يحاول فيه الاقتصاد الأمريكي التعامل مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتقلبات أسواق الطاقة، وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب تنامي المخاوف بشأن قدرة المؤسسات الاقتصادية المحلية على الحفاظ على توازنها بعيداً عن الاستقطاب السياسي الحاد.

ورغم أن المحامي والخبير المالي البالغ ذي الـ 56 عاماً، كان يُعرف سابقاً بمواقفه المتشددة في مواجهة التضخم، فإنه تبنّى خلال الأشهر الأخيرة خطاباً أقرب إلى توجهات ترامب، خصوصاً فيما يتعلق بالحاجة إلى تخفيف القيود على الاقتصاد وتحفيز النمو والاستثمار.

لكن الرجل الذي وعد بإحداث “تغيير جذري” داخل الاحتياطي الفيدرالي، يجد نفسه الآن أمام مهمة أكثر تعقيداً من مجرد إدارة السياسة النقدية، إذ سيكون مطالباً، خلال فترة ولايته التي تستمر 4 سنوات، بإعادة ترميم الثقة بالمؤسسة النقدية الأمريكية، واحتواء الانقسامات داخلها، والتعامل مع اقتصاد عالمي يمر بمرحلة شديدة الاضطراب. 

اقتصاد يواجه ضغوطاً متشابكة

يتولى وارش منصبه فيما يواجه الاقتصاد الأمريكي، خصوصاً في بعض القطاعات الحساسة مثل العقارات والتصنيع، سلسلة من التحديات المتزامنة التي تزيد من صعوبة المرحلة المقبلة، فالحرب مع إيران وما تبعها من اضطرابات في أسواق النفط والطاقة أعادت المخاوف من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل عالمياً، كما دفعت الشركات الأمريكية إلى إعادة تقييم سلاسل التوريد وخطط الاستثمار، في وقت ما تزال فيه آثار موجات التضخم السابقة تلقي بثقلها على المستهلكين والأسواق. 

في المقابل، تستمر الشركات الكبرى في ضخ استثمارات ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، ما يخلق مزيجاً غير متوازن بين النمو التكنولوجي والضغوط المعيشية اليومية.

لذلك، تتطلب المرحلة المقبلة قرارات مالية دقيقة، ورؤية أوسع لكيفية تعامل الولايات المتحدة مع اقتصاد عالمي أصبح أكثر هشاشة وتشابكاً بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة.

“الفيدرالي” بين الإصلاح والانقسام

إلى جانب التحديات الاقتصادية، يحمل وارش عبء مؤسسة نقدية تعاني انقسامات داخلية واضحة بشأن مستقبل دور الاحتياطي الفيدرالي وآلية اتخاذ القرار داخله.

الرئيس الجديد انتقد مراراً طريقة إدارة البنك المركزي خلال السنوات الماضية، معتبراً أنه أصبح “مسيساً أكثر من اللازم”، ومنفتحاً بصورة مفرطة بشأن كواليس صناعة القرار، وهو ما تعهد بتغييره خلال ولايته الجديدة. لكن أي محاولة لإعادة هيكلة طريقة عمل الفيدرالي قد تصطدم بمقاومة داخلية، خصوصاً أنه يضم مسؤولين يفضلون الحفاظ على النهج التقليدي القائم على التدرج والحذر في إدارة السياسة النقدية.

كما أن الاجتماع الأخير للجنة السوق المفتوحة كشف حجم الانقسام داخل البنك المركزي، بعدما شهد أكبر عدد من الاعتراضات منذ أوائل التسعينيات، في إشارة إلى تباين الرؤى بشأن كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة.

بالتالي، ستكون قدرة وارش على توحيد المؤسسة من أبرز عوامل نجاحه، لأن أي انقسامات حادة داخل المركزي قد تنعكس سريعاً على ثقة الأسواق واستقرار الدولار والسندات الأمريكية.

اختبار الاستقلالية على المحك

من أكبر التحديات أيضاً التي ستواجه رئيس الفيدرالي الجديد، كيفية الحفاظ على صورة المركزي مؤسسةً مستقلة، خصوصاً في ظل العلاقة الوثيقة التي تربطه بترامب. الرئيس الأمريكي لم يُخفِ خلال الأشهر الماضية رغبته في رؤية سياسة اقتصادية أكثر دعماً للنمو والأسواق، كما صعّد هجماته على جيروم باول بسبب رفضه الاستجابة السريعة لمطالب الإدارة الأمريكية.

ولم تقتصر الضغوط على الانتقادات السياسية، إذ حاول ترامب أيضاً إقالة عضو مجلس المحافظين ليزا كوك، في خطوة أثارت مخاوف واسعة بشأن مستقبل استقلالية البنك المركزي الأمريكي.

يمكن القول إن وارش سيواجه تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، يُتوقع منه التعاون مع الإدارة الأمريكية لدعم الاقتصاد، ومن جهة أخرى، سيكون مطالباً بإثبات أن قراراته لا تخضع لتأثير البيت الأبيض.

ولهذا السبب، حظيت تصريحاته خلال جلسات الاستماع الأخيرة في مجلس الشيوخ باهتمام كبير، بعدما أكد أنه “لن يكون أبداً دمية في يد الرئيس”، في محاولة لطمأنة الأسواق والمستثمرين بشأن استقلالية الفيدرالي.

إعادة تشكيل السياسة الاقتصادية

رغم حجم التحديات، تمنح المرحلة الحالية وارش فرصة لإعادة صياغة دور الاحتياطي الفيدرالي في الاقتصاد الأمريكي. فالرجل يمتلك خبرة كبيرة في الأسواق المالية، كما يُنظر إليه كشخصية قادرة على بناء جسور بين “وول ستريت” وصناع القرار السياسي، وهو ما قد يساعد في تخفيف التوتر القائم بين الإدارة الأمريكية والبنك المركزي.

كما أن التحولات الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية الرقمية قد تمنح الاقتصاد الأمريكي فرص نمو جديدة، إذا ما تمكن الاحتياطي الفيدرالي من إدارة المرحلة بمرونة بعيداً عن أي اضطرابات مالية واسعة.

ويعتقد مؤيدو وارش أن أسلوبه الأكثر انفتاحاً على إعادة النظر في أدوات وسياسات البنك المركزي قد يسمح بتطوير آليات أكثر ملاءمة لاقتصاد عالمي سريع التغير، خاصة بعد الأزمات المتلاحقة التي كشفت حدود النماذج التقليدية للسياسة النقدية. لكن نجاح هذه الرؤية سيعتمد إلى حد كبير على قدرته على تحقيق توازن دقيق بين الإصلاح والاستقرار، وبين الاستجابة للضغوط السياسية والحفاظ على مصداقية مؤسسته.

تبدو الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة اقتصادية وسياسية مختلفة، تتداخل فيها تحديات الحرب والطاقة والأسواق مع أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل المؤسسات الاقتصادية الأمريكية نفسها. وفي هذا المشهد المعقد، سيكون وارش أمام اختبار يتجاوز حدود السياسة النقدية الروتينية، ليشمل مستقبل الثقة بأقوى بنك مركزي في العالم، ودور الولايات المتحدة في قيادة الاقتصاد العالمي خلال مرحلة تتسم بعدم اليقين المتزايد.