كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ملامح استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026، تتضمن انتقادات غير مسبوقة للسياسات الأوروبية في ملفات الهجرة والأمن والحدود، معتبرة أن القارة الأوروبية تواجه تحديات أمنية متصاعدة تهدد استقرارها الداخلي وعلاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، كما أصبحت بيئة تستغلها الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة لتعزيز نشاطها وتنفيذ عملياتها وتوسيع نفوذها.
بينما تؤكد واشنطن تمسكها بالشراكة الأمنية مع أوروبا، فإنها تدعو في الوقت ذاته إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتشديد الرقابة الحدودية، وتوسيع التعاون الاستخباراتي، وسط تحذيرات من تصاعد “التهديدات الهجينة” التي تستهدف استقرار الدول الغربية ووحدة تحالفاتها الاستراتيجية.
أوروبا بين “الهدف” و”الحاضنة”
تصف الوثيقة الأمريكية أوروبا بأنها “هدف للإرهاب وحاضنة له” في الوقت ذاته، مشيرة إلى أن الجماعات المتطرفة تسعى إلى استهداف الدول الأوروبية بهدف تقويض مؤسساتها الديمقراطية وإضعاف تحالفها مع الولايات المتحدة.
وترى واشنطن أن تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش”، إلى جانب عصابات المخدرات وبعض الجهات الحكومية المعادية، استفادت من ضعف الرقابة الحدودية ونقص الموارد الأمنية في أوروبا لتحويل بعض الدول إلى مراكز تمويل وتجهيز وتجنيد.
كما تنتقد الإدارة الأمريكية ما تعتبره “تراخياً” من جانب بعض دول حلف شمال الأطلسي NATO في تحمل أعباء مكافحة الإرهاب، رغم إمكاناتها الاقتصادية الكبيرة.
الهجرة غير المقيدة محل الانتقادات
تضع الوثيقة ملف الهجرة الجماعية في صلب التحديات الأمنية الأوروبية، معتبرة أن تدفقات الهجرة غير المنظمة شكلت “قناة لانتقال الإرهاب” إلى داخل القارة العجوز.
وترى إدارة ترامب أن السياسات الحدودية المفتوحة، إلى جانب ما تصفه بـ”الأفكار العولمية”، ساهمت في خلق بيئة أمنية هشة استغلتها الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة العابرة للحدود.
وتدعو واشنطن الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في سياسات الهجرة، وتعزيز الرقابة الحدودية، وفتح نقاشات “صريحة” حول الإسلام السياسي والتطرف، في إطار ما تعتبره دفاعاً عن القيم الغربية التقليدية.
الإنفاق الأمني والتعاون الاستخباراتي
تؤكد الاستراتيجية الأمريكية أن أوروبا مطالبة بزيادة جهودها الأمنية “بشكل كبير وفوري”، سواء عبر رفع الإنفاق على مكافحة الإرهاب أو عبر تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحلفاء.
كما تدعو واشنطن الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولية أكبر في العمليات الأمنية خارج حدودها، خصوصاً في أفريقيا، التي تراها الإدارة الأمريكية إحدى الساحات الرئيسية لنشاط الجماعات المتطرفة.
وترى الوثيقة أن نجاح مكافحة الإرهاب يتطلب تعاوناً أمنياً عابراً للحدود، يشمل تبادل المعلومات القابلة للتنفيذ وتنسيق العمليات ضد الشبكات المتطرفة وعصابات المخدرات.
“التهديدات الهجينة” مواجهة جديدة
واحدة من أبرز النقاط التي تضمنتها الاستراتيجية تمثلت في التحذير من تصاعد ما يسمى بـ “التهديدات الهجينة”، وهي العمليات التي تجمع بين التخريب والاغتيالات والعمل السري والتأثير السياسي.
وتقول واشنطن إنها ستعمل مع شركائها الأوروبيين لمواجهة هذه الأنشطة التي تنسبها إلى دول وجهات معادية، معتبرة أن بعض العمليات السرية أصبحت تأخذ طابعاً مشابهاً للإرهاب التقليدي.
كما تؤكد الإدارة الأمريكية أن التعاون مع أوروبا سيستمر مع الدول التي “تدرك حجم التهديد” وتتخذ إجراءات عملية لمواجهته دون المساس بما تصفه بـ “المبادئ الحضارية المشتركة”.
العقيدة الجديدة لمكافحة الإرهاب
تقدّم إدارة ترامب استراتيجيتها الجديدة باعتبارها عودة إلى “المنطق السليم والواقعية” في التعامل مع التهديدات الأمنية، بعيداً عن المقاربات التي تركز فقط على الحلول الاقتصادية أو الاجتماعية.
وترى الوثيقة أن مشكلات أوروبا لا ترتبط فقط بالإنفاق العسكري أو الركود الاقتصادي، بل بأزمات أعمق تتعلق بالهوية والثقافة والسياسات الحدودية، وهي عوامل تعتبرها واشنطن مرتبطة بشكل مباشر بتنامي الإرهاب والتطرف.
أوروبا أمام الاختبار
تكشف الاستراتيجية الأمريكية عن رغبة واضحة في دفع أوروبا إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة التطرف، مع تحميل الحكومات الأوروبية مسؤولية أكبر في حماية أمنها الداخلي.
هذه المقاربة قد تعمق الخلافات داخل أوروبا نفسها، بين التيارات المؤيدة لتشديد السياسات الأمنية والهجرة، وتلك التي ترى أن ربط الإرهاب بالهجرة أو الإسلام السياسي قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام المجتمعي والتوتر السياسي.
تعكس الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه أوروبا تحوّلاً في النظرة إلى مكافحة الإرهاب، حيث باتت واشنطن تربط بين الأمن والهجرة والهوية الثقافية والسياسات الحدودية ضمن إطار واحد.
وبينما تؤكد إدارة ترامب أن أوروبا مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات المتصاعدة، فإن هذا التوجه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الجدل داخل الغرب حول حدود الأمن، ومستقبل الانفتاح الأوروبي، وطبيعة العلاقة بين مكافحة الإرهاب والحريات السياسية والثقافية.















