لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تُدار فقط عبر المؤسسات والتحالفات والاتفاقيات التجارية، بل أصبحت، إلى حدٍّ بعيد، رهينة الكيمياء الشخصية بين رئيسي البلدين دونالد ترامب، ونظيره شي جين بينغ. فمع اقتراب زيارة سيد البيت الأبيض المنتظرة إلى بكين، تعود إلى الواجهة فكرة “الصفقة الكبرى” بين القوتين الأعظم في العالم، وسط إدراك متزايد في واشنطن بأن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة يقترب من نهايته، في مقابل قناعة صينية بأن ميزان القوى العالمي بات أكثر توازناً مما كان عليه قبل عقد واحد فقط.
الزيارة الأمريكية إلى الصين لا تأتي في ظرف عادي، بل في لحظة تشهد فيها العلاقة بين واشنطن وبكين تحولاً بنيوياً عميقاً. الصراع لم يعد مقتصراً على الرسوم الجمركية أو فائض الميزان التجاري، وإنما بات يمتد إلى التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد، وأشباه الموصلات، والمعادن النادرة، وحتى شكل النظام الدولي نفسه. ولهذا، فإن أي لقاء بين الرئيسين تخطى حدود البروتوكول، ليصبح حدثاً جيوسياسياً يُنظر إليه كمؤشر على الاتجاه الذي قد يسلكه العالم خلال السنوات المقبلة.
من دبلوماسية الصور إلى صراع النفوذ
قبل ثلاث سنوات فقط، كانت العلاقات بين البلدين عند واحدة من أدنى نقاطها منذ عقود. إدارة الرئيس جو بايدن حاولت آنذاك احتواء التوتر عبر إعادة بناء قنوات التواصل المباشر مع القيادة الصينية، على أمل أن ينجح التقارب الشخصي بين بايدن وشي في تخفيف احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر حول تايوان وفرض واشنطن قيوداً صارمة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين.
وخلال قمة “أبيك” في سان فرانسيسكو عام 2023، بدا المشهد وكأن واشنطن تسعى لإحياء دبلوماسية “الدفء الشخصي” مع بكين. بايدن استقبل شي في قصر فيلولي التاريخي، وأظهر له صورة قديمة التُقطت له قبل نحو أربعة عقود عند جسر غولدن غيت. حتى أن الرئيس الأمريكي مازحه بشأن سيارة هونغتشي الصينية الفاخرة التي أحضرها معه من بكين، مقارناً إياها بسيارته الرئاسية المدرعة “الوحش”.
لكن خلف تلك الصور الودية، كانت الهوة السياسية والاستراتيجية أعمق بكثير من أن تُردم بالمجاملات. بحسب مسؤولين سابقين في البيت الأبيض، تحولت اللحظات الخاصة بين الزعيمين إلى صمت مُحرج، لدرجة أن غياب المترجمين منع الرجلين من إجراء حوار فعلي أثناء تجولهما في الحدائق. وبعد انتهاء الزيارة، عاد بايدن ليصف شي بأنه “ديكتاتور”، في مشهد اختصر هشاشة العلاقة بين الطرفين، مهما بدت دبلوماسياً مستقرة.
الصين التي لم تعد تخشى واشنطن
اليوم، يعود ترامب إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فهو لا يُخفي اعتقاده بأن علاقته الشخصية مع شي يمكن أن تفتح الباب أمام تفاهمات كبرى، سواء في التجارة أو الأمن أو حتى ملفات الشرق الأوسط. لكن الصين التي يواجهها ترامب هذه المرة ليست هي نفسها التي واجهها خلال حربه التجارية الأولى.
خلال السنوات الماضية، نجحت بكين في تطوير أدوات ضغط مضادة أثبتت أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها الاقتصادية بسهولة كما في السابق. وعندما ردّت الصين على الرسوم الجمركية الأمريكية عبر تقليص صادرات المعادن النادرة الضرورية لصناعة التكنولوجيا المتقدمة، اكتشفت واشنطن أن اعتمادها على الصين في بعض القطاعات الاستراتيجية أخطر بكثير مما كانت تتصور.
هذه اللحظة، بالنسبة لكثير من الخبراء، مثّلت نقطة تحول نفسية واستراتيجية في العلاقة بين القوتين. فالصين لم تعد مصنع العالم فحسب، بل أصبحت قوة قادرة على إيلام الاقتصاد الأمريكي نفسه، وفرض معادلات ردع اقتصادية متبادلة.
لهذا السبب، بدأ الحديث في واشنطن عن مفهوم الاستقرار الاستراتيجي، أي محاولة تجميد التصعيد مؤقتاً لمنح كل طرف وقتاً لمعالجة نقاط ضعفه. الولايات المتحدة تريد تقليل اعتمادها على المعادن النادرة الصينية، فيما تسعى بكين إلى تقليص اعتمادها على التكنولوجيا الغربية المتقدمة، خصوصاً في قطاع أشباه الموصلات.
قلق أمريكي من المرونة المفرطة
حتى الآن، لا يحظى الاستقرار في الروابط بين الطرفين بإجماع داخل المؤسسة الأمريكية. فهناك من يرى أن إدارة ترامب قد تتحول من سياسة الاحتواء إلى نوع من “المرونة المفرطة” تجاه الصين، بما يهدد مكانة واشنطن العالمية ويمنح بكين مساحة أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق رؤيتها الخاصة.
وتتجلى هذه المخاوف بشكل خاص لدى الحلفاء الآسيويين للولايات المتحدة، الذين ينظرون بقلق إلى احتمال أن يقدّم ترامب تنازلات في ملف تايوان مقابل مكاسب اقتصادية أو تفاهمات سياسية أوسع مع الصين. تايوان بالنسبة لبكين ليست مُجرد قضية سيادة، بل حجر الزاوية في مشروع “إعادة توحيد الأمة الصينية”، بينما تمثل بالنسبة لواشنطن خط الدفاع الأول عن توازن القوى في غرب المحيط الهادئ، إضافة إلى كونها مركزاً حيوياً لصناعة الرقائق الإلكترونية المتقدمة.
كيف أعادت “صفقة نيكسون” تشكيل العالم؟
التاريخ نفسه يفسر جزئياً هذا القلق. فالعلاقة الأمريكية الصينية منذ سبعينيات القرن الماضي قامت أساساً على صفقات استراتيجية كبرى بين القادة. اللقاء التاريخي بين ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ عام 1972 لم يكن مُجرد زيارة دبلوماسية، بل إعادة هندسة كاملة للنظام العالمي في ذروة الحرب الباردة. يومها، تجاوز الطرفان خلافاتهما الأيديولوجية لأن مصالحهما الاستراتيجية كانت تقتضي مواجهة الاتحاد السوفيتي.
لاحقاً، واصل جيمي كارتر ودنغ شياو بينغ توسيع العلاقات الاقتصادية، ثم جاء رونالد ريغان الذي اعتقد أن دمج الصين في الاقتصاد العالمي سيقود تدريجياً إلى تحولها نحو النموذج الرأسمالي الليبرالي. لكن الرهان الأمريكي على “تغيير الصين عبر الانخراط” بدأ يتآكل مع صعود شي جين بينغ.
الرجل أعاد إحياء دور الدولة المركزية بقوة، وطرح مشروع “صنع في الصين 2025” لتحويل بلاده إلى قوة تكنولوجية وصناعية متفوقة، في خطوة اعتبرها الغرب تحدياً مباشراً للتفوق الاقتصادي الأمريكي.
من الشراكة الاقتصادية إلى الحرب التكنولوجية
مع الوقت، بات واضحاً أن بكين لا تسعى فقط إلى النمو داخل النظام الدولي الذي تقوده واشنطن، بل إلى إعادة صياغته تدريجياً بما يتناسب مع مصالحها وطموحاتها. من هنا، تحول الصراع من منافسة تجارية إلى صراع على قيادة القرن الحادي والعشرين.
في هذا السياق، تبدو زيارة ترامب المقبلة محاطة بتوقعات ضخمة، لكنها أيضاً محاطة بكثير من الغموض. الرئيس الأمريكي يسعى إلى تحقيق اختراقات سريعة وملموسة يمكن تسويقها داخلياً، مثل صفقات لشراء الطائرات الأمريكية وفول الصويا، وربما إنشاء آلية تجارية جديدة لتخفيف الاحتكاك الاقتصادي بين البلدين.
لكن بكين تنظر إلى الصورة بشكل مختلف وأكثر عمقاً. فهي تدرك أن ترامب أقل تشدداً من كثير من النخب الأمريكية فيما يتعلق بالقضايا الأمنية المرتبطة بالصين، وترى في ذلك فرصة لإبطاء الضغوط الاستراتيجية الأمريكية، وربما الحصول على تنازلات في ملفات حساسة. كما تعتقد أن ترامب بات أكثر إدراكاً لقوة الصين الحقيقية مقارنة بفترة ولايته الأولى. فبعد سنوات من المواجهة التجارية والعقوبات التكنولوجية، اكتشفت واشنطن أن احتواء الصين أصعب بكثير مما كان يُعتقد.
هل تكفي “الكيمياء الشخصية” لتغيير المسار؟
لكن رغم كل الحديث عن “الكيمياء الشخصية”، فإن كثيراً من الخبراء يشككون في قدرة العلاقة الفردية بين الزعيمين على تغيير المسار الاستراتيجي العام للعلاقة بين البلدين. فالتنافس بين واشنطن وبكين لم يعد مرتبطاً فقط بشخصية الرئيسين، بل أصبح نتيجة مباشرة لتحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي وتوازنات القوة الدولية.
الصين تمضي في خطط طويلة الأمد لتقليل اعتمادها على الغرب، وتعزيز تفوقها في الصناعات المتقدمة، فيما تعمل الولايات المتحدة على إعادة بناء قدراتها الصناعية والتكنولوجية للحفاظ على صدارتها العالمية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية.
وبين هذين المشروعين العملاقين، تبدو فكرة “الصفقة الكبرى” بين ترامب وشي أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى تسوية تاريخية نهائية. فحتى لو نجح الطرفان في تخفيف التوتر التجاري أو التوصل إلى تفاهمات مرحلية، فإن جوهر الصراع سيبقى قائماً: صراع بين قوة مهيمنة تسعى للحفاظ على موقعها، وقوة صاعدة ترى أن اللحظة التاريخية أصبحت مواتية لإعادة توزيع النفوذ العالمي.
لهذا، فإن زيارة ترامب إلى بكين قد تُنتج صوراً دافئة ومصافحات طويلة وربما حتى “عناقاً” كما يمزح الرئيس الأمريكي، لكنها على الأرجح لن تغيّر الحقيقة الأعمق، وهي أن العالم دخل بالفعل مرحلة تنافس استراتيجي طويل بين واشنطن وبكين، عنوانه الأساسي ليس فقط التجارة أو التكنولوجيا، بل تحديد من سيكتب قواعد النظام العالمي القادم.















