بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

اقتصاد جيوساسي

اختناق “هرمز”.. كيف تحوّل حصار المضيق من أزمة نفط إلى عبء يومي على الغذاء والدواء والمعيشة؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

عندما تضيق حركة الملاحة في مضيق “هرمز”، لا يبقى الأمر محصوراً في ناقلات النفط وأسعار الطاقة؛ بل يصل سريعاً إلى تفاصيل الحياة اليومية: وقود أغلى، فاتورة كهرباء أعلى، غذاء يتأخر أو يرتفع ثمنه، ودواء قد يصبح أصعب وصولاً إلى الصيدليات والمستشفيات. فكل سفينة تتعطل في هذا الممر البحري تعني كلفة نقل وتأمين أكبر، وتأخيراً في سلاسل الغذاء والأسمدة والمستلزمات الطبية، وضغطاً إضافياً على الأسر الفقيرة والمرضى واللاجئين. من هنا يتحول حصار هذا الممر المائي الاستراتيجي من أزمة بحرية بعيدة إلى سؤال يومي داخل البيوت والأسواق: لماذا أصبحت المعيشة أثقل؟

تعبر المضيق في الأيام العادية عشرات الناقلات والسفن التجارية يومياً. لكن مع تصاعد الحرب حول إيران واتساع نطاق الحصار البحري، تراجعت الحركة إلى حدّ غير مسبوق. ففي أواخر أبريل/نيسان الماضي، عبرت “هُرمز” ست سفن فقط خلال 24 ساعة، في مستوى لا يقارن بما كان قبل الحرب، بينما بقيت حركة الشحن “مجرّد خيط رفيع” في واحد من أهم ممرات التجارة البحرية في العالم.

شح المخزونات

تقول وكالة الطاقة الدولية إن الإغلاق الفعلي للمضيق أزال كميات كبيرة من خامات الخليج من الأسواق، ودفع المخزونات العالمية المرصودة إلى الهبوط بـ85 مليون برميل في مارس/آذار الماضي، بينما تراكمت كميات ضخمة داخل الخليج نتيجة صعوبة خروجها. كما قفزت أسعار الخام الفورية في أبريل/نيسان، إذ وصل خام برنت إلى ذروة تجاوزت 144 دولاراً للبرميل في بداية الشهر.

لكن الأثر المدني لا يبدأ من شاشة أسعار النفط، بل من نقطة أبسط: كلفة النقل. كل ارتفاع في الوقود يمر سريعاً إلى الشاحنات والمولدات وسفن الشحن والطائرات، ثم ينتقل إلى السلع الغذائية، وبرادات المستشفيات، وتكلفة إيصال كيس طحين أو صندوق أدوية.

الأزمة تضرب الغذاء من جهتين. الأولى مباشرة، عبر اضطراب الشحن وارتفاع كلفة الاستيراد. والثانية أبطأ وأكثر خطورة: الأسمدة. منظمة الأغذية والزراعة حذرت من أن اضطرابات “هُرمز” ستؤثر في توافر الأسمدة، بما يهدد المحاصيل في النصف الثاني من 2026 ويمتد أثره إلى 2027. معنى ذلك أن الأزمة لا ترفع أسعار غذاء اليوم فقط، بل قد تقلص غذاء الغد أيضاً.

وفي الخلفية، يضغط رقم أكبر على المشهد. برنامج الأغذية العالمي قدّر أن استمرار الصراع حتى منتصف العام، مع بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار أمريكي للبرميل، قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى انعدام أمن غذائي حاد، فوق مئات الملايين الذين يعانون أصلاً من هشاشة غذائية.

مؤشر أسعار الغذاء العالمي

تكشف بيانات منظمة الأغذية والزراعة عن مسار تصاعدي متواصل في أسعار الغذاء العالمية خلال الأشهر الأخيرة، إذ ارتفع المؤشر العام من 125.3 نقطة في فبراير/شباط إلى 128.5 نقطة في مارس/آذار، قبل أن يصل إلى 130.7 نقطة في أبريل/نيسان، بما يعكس زيادة تراكمية تقارب 4.3% خلال شهرين فقط. ويبرز التأثير بصورة أوضح في السلع الأساسية الأكثر ارتباطاً بالاستهلاك اليومي، حيث قفزت أسعار الزيوت النباتية خلال أبريل بنسبة 5.9%، مقابل 0.8% للحبوب و1.2% للحوم، فيما سجل الأرز زيادة بلغت 1.9% مدفوعاً بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتسويق المرتبطة باضطرابات أسواق الطاقة ومشتقات النفط. 

تمثّل الأسمدة أحد أكثر التداعيات الاقتصادية خطورة على المدى المتوسط، نظراً لارتباطها المباشر بكلفة الإنتاج الزراعي عالمياً. فقد ارتفعت أسعار تصدير اليوريا في الشرق الأوسط خلال مارس بنحو 40%، بعدما تجاوز سعر الطن 700 دولار مقارنة بأقل من 500 دولار قبل اندلاع الحرب، بالتزامن مع زيادة أسعار الأسمدة في الولايات المتحدة بنسبة وصلت إلى 32% منذ بداية النزاع. وفي سوق نيو أورلينز قفز سعر الطن من 516 دولاراً إلى 683 دولاراً خلال فترة قصيرة، ما ينذر بانتقال الضغوط من تكاليف الزراعة الحالية إلى مواسم الحصاد المقبلة، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات متوقعة على أسعار الحبوب والخبز والأرز والمنتجات الغذائية المرتبطة بالإنتاج الحيواني. 

وتظهر الكلفة أيضاً في النقل نفسه. أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب ارتفعت في بعض الحالات بأكثر من 1000%، إذ قد ينتقل القسط من 0.25% إلى نحو 3% من قيمة السفينة؛ أي من حوالى 625 ألف دولار إلى 7.5 مليون دولار لناقلة قيمتها 250 مليون دولار. هذه التكلفة لا يدفعها مالك السفينة وحده؛ بل تتسرب لاحقاً إلى سعر الوقود، والغذاء، والدواء، وكل سلعة تحتاج إلى رحلة آمنة عبر البحر.

وفي المنتجات المكررة، كانت آسيا مثالاً واضحاً على انتقال الأزمة إلى تفاصيل الحياة اليومية. هبطت صادرات آسيا من وقود الطائرات والديزل والبنزين في أبريل بنحو 3 ملايين برميل يومياً عن متوسط الأشهر الثلاثة السابقة للحرب، كما أن سعر وقود الطائرات في سنغافورة ارتفع 70% منذ 27 فبراير، بينما زاد سعر زيت الغاز، المكوّن الأساسي للديزل، بنحو 55%. هذه الأرقام تعني عملياً نقل بضائع أغلى، رحلات أكثر كلفة، وسلاسل إمداد أبطأ للغذاء والمستلزمات الطبية.

ارتدادات مستمرة

في الدول المستوردة للغذاء، وخصوصاً في الشرق الأوسط، لا تحتاج الأسرة إلى متابعة نشرات الأسواق كي تشعر بالأزمة. يكفي أن ترتفع كلفة النقل، أو يتأخر وصول شحنة أرز، أو يعاد تسعير الوقود، حتى يتغير جدول المشتريات الأسبوعي. الأسر الفقيرة لا تملك هامشاً واسعاً للمناورة؛ فهي لا “تؤجل” الطعام كما تؤجل شراء سلعة كمالية.

أما في المستشفيات، فالأزمة أكثر حساسية. الدواء لا يشبه النفط في قدرته على الانتظار. بعض الأدوية، خصوصاً أدوية السرطان واللقاحات والمواد التي تحتاج إلى تبريد، تعتمد على مسارات نقل منتظمة وسلاسل تبريد دقيقة. أي تأخير في الطيران أو الشحن البحري أو التفتيش قد يتحول إلى نقص علاجي، لا إلى ارتفاع سعر فقط. وتفيد تقارير عن الحصار إن الشحنات الإنسانية، بما فيها الغذاء والدواء، مستثناة نظرياً من القيود، لكنها تبقى خاضعة للتفتيش؛ وهذا الاستثناء لا يلغي التأخير ولا كلفة التأمين ولا ارتباك الشركات.

المدنيون الأكثر هشاشة هم أول من يدفعون الثمن: مرضى يحتاجون إلى علاج منتظم، أسر تعتمد على الغذاء المدعوم، لاجئون ينتظرون مساعدات، ومزارعون في آسيا وأفريقيا لا يستطيعون شراء الأسمدة بالأسعار الجديدة. وفي تقرير حديث، أشارت واشنطن بوست إلى أن اضطرابات الحرب أثرت في مزارعين آسيويين عبر ارتفاع الوقود واليوريا، بما يهدد قرارات الزراعة نفسها في دول مثل تايلاند وبنغلادش والفلبين.

آسيا والخليج العربي

ليست آسيا بعيدة عن “هُرمز” كما تبدو على الخريطة. الصين، مثلاً، سجلت في أبريل/نيسان تراجعاً حاداً في واردات الطاقة بسبب اضطراب المضيق؛ فقد هبطت واردات الخام 20% على أساس سنوي إلى 38.5 مليون طن، وهو أدنى مستوى منذ يوليو 2022، بحسب رويترز. وعندما تضطر دولة كبرى إلى تقليص صادرات الوقود لحماية السوق المحلية، فإن الصدمة لا تبقى في الخليج؛ بل تنتقل إلى المصانع والموانئ وأسعار السلع عالمياً.

في الخليج العربي نفسه، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. دول تملك موارد طاقة ضخمة قد تجد نفسها تحت ضغط غذائي ولوجستي لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. المال يساعد على شراء البدائل، لكنه لا يخلق مسارات بحرية آمنة فوراً، ولا يختصر زمن الرحلات الطويلة، ولا يخفض أقساط التأمين في منطقة حرب.

لهذا، فإن حصار “هُرمز” ليس حدثاً عسكرياً معزولاً. هو سلسلة ضغط تبدأ من المضيق وتنتهي في تفاصيل صغيرة: سيارة إسعاف تحتاج وقوداً، مخبز ينتظر دقيقاً، مريض ينتظر جرعة، ومزارع يقرر إن كان سيزرع هذا الموسم أم لا.

صار “هُرمز” في 2026 ممر معيشة، لا ممر نفط فقط. وكل يوم يطول فيه التعطيل، ينتقل مركز الأزمة من أسواق الطاقة إلى الأسواق الشعبية، ومن غرف العمليات العسكرية إلى غرف المرضى، ومن بيانات الحكومات إلى موائد الأسر. هنا تكمن خطورة الحصار: أنه لا يخنق التجارة فقط، بل يضيّق تدريجياً المسافة بين الجغرافيا البعيدة والحياة اليومية للمدنيين.