أعادت إيران اليوم، إغلاق مضيق “هُرمز” بالكامل أمام الملاحة الدولية، في مشهد يعكس أقصى درجات التناقض السياسي والعسكري، وذلك بعد ساعات فقط من تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد فيها أن طهران وافقت على إبقائه مفتوحاً وبدأت بإزالة الألغام البحرية. هذا التضارب الحاد لا يكشف فقط عن هشاشة الهدنة القائمة، بل يضع مصير المفاوضات المرتقبة على المحك، ويعيد المنطقة إلى مربع التصعيد في لحظة كان العالم ينتظر فيها انفراجة دبلوماسية لا انتكاسة ميدانية.
قرار طهران بإغلاق المضيق جاء، وفق مصادر إيرانية، رداً على استمرار الحصار البحري الأمريكي ومنع ناقلاتها من التصدير، على الرغم مما وصفته بـ”وعود التهدئة”. وتؤكد القيادة الإيرانية أن ما يجري هو “إدارة سيادية للأمن البحري”، في حين ترى واشنطن أن الخطوة تمثل تصعيداً مباشراً يهدد حرية الملاحة الدولية.
المفارقة اللافتة أن هذا الإغلاق تزامن مع إعلان إيراني عن إعادة فتح جزئي للمجال الجوي أمام الرحلات الدولية العابرة، خصوصاً في المناطق الشرقية. هذا التباين بين الانفتاح الجوي والتشدد البحري يعكس محاولة إيرانية لإرسال إشارات مزدوجة: تصعيد محسوب في البحر، مقابل مرونة محدودة في الجو لتجنب العزلة الكاملة.
الدبلوماسية بين الصمود أو الانهيار
في ظل هذا التصعيد، تتجه الأنظار إلى جولة المفاوضات المحتملة في إسلام آباد يوم الاثنين المقبل، فعلى الرغم من عدم إعلان إلغائها رسمياً، إلا أن المؤشرات تشير إلى أنها باتت مهددة بشكل جدي. الإدارة الأمريكية قد تعتبر إعادة إغلاق المضيق عملاً عدائياً لا يمكن التفاوض في ظله، بينما تراهن طهران على استخدام هذه الخطوة كورقة ضغط لتحسين شروطها.
مصادر دبلوماسية تحدثت عن أن الاتصالات لا تزال مستمرة عبر الوسطاء، لكن “نافذة الحل” تضيق سريعاً. الساعات الـ 48 المقبلة تبدو حاسمة في تحديد ما إذا كانت الدبلوماسية ستصمد أم ستنهار تحت وقع التصعيد.
يبقى مضيق “هُرمز” العامل الأكثر حساسية في هذه الأزمة. فهو ممر يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ما يجعله نقطة ارتكاز في الاقتصاد الدولي.
منذ أواخر فبراير/شباط الماضي، تحوّل المضيق من ورقة تهديد إلى أداة استخدام فعلي، مع توقف عشرات الناقلات وتعليق شركات شحن كبرى عملياتها. ومع كل إغلاق جديد، تتزايد المخاوف من أزمة طاقة عالمية قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من المنطقة.
عُقدة اليورانيوم والمنشآت تحت الأرض
يُشكل الملف النووي العُقدة الأكثر تعقيداً، خصوصاً مع وجود مخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب داخل منشآت محصنة تحت الأرض، مثل فوردو ومواقع يُشتبه بوجودها قرب أصفهان وسمنان، إضافة إلى ما يُعرف بمنطقة “جبل فاس”، تجعل أي اتفاق تقني صعب التنفيذ.
الخيارات المطروحة أمام واشنطن تتراوح بين نقل اليورانيوم إلى خارج إيران أو فرض رقابة دولية مُشددة داخل هذه المنشآت، لكن رفض روسيا استقبال المواد النووية الإيرانية زاد من تعقيد المشهد وأغلق أحد المسارات المحتملة للحل.
التصعيد لم يقتصر على الإجراءات الإيرانية، إذ أمرت واشنطن في 14 أبريل/نيسان الجاري بفرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية وتطهير المضيق من الألغام. هذه الخطوة مثلت تحولاً من الحرب غير المباشرة إلى مواجهة أكثر وضوحاً في البحر.
في المقابل، حاولت إيران تصوير أي تفاهم محتمل على أنه اعتراف بسيطرتها على المضيق، وهو ما نفته الولايات المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن “هُرمز” يجب أن يبقى ممراً دولياً مفتوحاً.
العرض الأمريكي: صفقة شاملة أم شروط مستحيلة؟
التوتر الحالي يأتي بعد أيام من فشل الجولة الأولى من المفاوضات التي عُقدت في 12 أبريل/نيسان الجاري في العاصمة الباكستانية، واستمرت لأكثر من 21 ساعة بين وفدين رفيعي المستوى. وعلى الرغم من الأجواء التي وُصفت بـ”الإيجابية”، انتهت المحادثات من دون اتفاق.
واشنطن تحدثت عن “تقدم كبير” وإمكانية التوصل إلى “صفقة كبرى”، بينما اتهمت طهران الجانب الأمريكي بطرح مطالب “مفرطة”. هذا التباين في التقييم يعكس فجوة عميقة في الرؤى، لا تزال تعيق أي اختراق حقيقي.
المقترح الأمريكي المُسرّب، والذي يتألف من 15 بنداً، يشكل جوهر الخلاف بين الطرفين. فهو يتضمن تفكيك المنشآت النووية الرئيسية، ووقف التخصيب داخل إيران، وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع كامل للعقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة.
لكن طهران ترفض هذه الشروط بصيغتها الحالية، وتتمسك بحقها في التخصيب، مع إبداء استعداد محدود للتفاوض على مستوياته. كما ترفض إدراج برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي ضمن أي اتفاق، معتبرة أن ذلك يُشكل “خطاً أحمرَ سيادياً”.
بين الانفجار والانفراج
المشهد الحالي يعكس توازناً هشاً بين التصعيد والتهدئة. إيران تستخدم المضيق كورقة ضغط قصوى، لكنها تدرك أن إغلاقه لفترة طويلة قد يضر باقتصادها أولاً. في المقابل، تسعى واشنطن إلى فتحه من دون تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة.
بين هذين المسارين، تقف مفاوضات الاثنين كفرصة أخيرة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة أوسع. فإذا نجحت، قد يتحول هذا الممر المائي الاستراتيجي من بؤرة صراع إلى مدخل لتسوية تاريخية. أما إذا فشلت، فإن العالم قد يجد نفسه أمام أزمة طاقة وصراع إقليمي مفتوح، حيث يصبح المضيق مجدداً شرارة اشتعال لا يمكن السيطرة عليها.















