بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

تباطؤ عالمي على وقع صدمة الطاقة: تحذيرات دولية من نمو أضعف وتضخم أكثر عناداً في ظل اضطرابات “هُرمز”

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لم تعد التحذيرات من تباطؤ النمو العالمي مُجرّد نبرة احترازية مألوفة تصدر عن المؤسسات الدولية في لحظات الاضطراب. خلال الأيام الأخيرة، بدأت هذه التحذيرات تتخذ طابعاً أكثر تحديداً: صدمة طاقة جديدة، تضخم أكثر عناداً، وتجارة عالمية تبدو قادرة على الاستمرار شكلاً، لكنها أكثر هشاشة من أن تتحمل اضطراباً جيوسياسياً ممتداً. في هذا السياق، لم يعد السؤال ما إذا كان النمو العالمي سيتباطأ، بل إلى أي مدى، ومن سيدفع الكلفة الأكبر، وكيف يمكن أن تتحول صدمة إقليمية إلى عبء اقتصادي عابر للقارات.

اللافت أن التحذير هذه المرة لا يأتي من جهة واحدة. مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا قالت إن الحرب في الشرق الأوسط ستقود إلى نمو أبطأ وتضخم أعلى، حتى إذا كان أثر الصدمة النفطية مؤقتاً جزئياً، مضيفة أن الصندوق يستعد لخفض توقعاته للنمو العالمي في تحديثه المرتقب.

في الاتجاه نفسه، حذر رئيس البنك الدولي أجاي بانغا من أن الاقتصاد العالمي الذي كان يُرجَّح أن ينمو بنحو 2.83% قبل الصدمة قد يتعرض لاقتطاع يتراوح بين 0.3 و0.4 نقطة مئوية في السيناريو الأساسي، وقد يتجاوز نقطة مئوية كاملة إذا طال أمد الاضطراب، مع احتمال زيادة التضخم بما يصل إلى 0.9 نقطة مئوية. هذا التلاقي بين صندوق النقد والبنك الدولي مهم، لأنه يشير إلى أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سوقي في أسعار النفط، بل خطر يطال مسار النمو نفسه.

تفاؤل حذر وضغوط تضخمية

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ذهبت في الاتجاه ذاته، لكن بصياغة أكثر تركيباً. ففي تقريرها المرحلي الصادر في 26 مارس 2026، أبقت المنظمة على توقع نمو عالمي عند 2.9% في 2026 قبل ارتفاع طفيف إلى 3.0% في 2027، لكنها شددت على أن هذا السيناريو يفترض تراجع اضطرابات الطاقة ابتداءً من منتصف 2026.

إذا استمرت الاختناقات في مضيق “هُرمز” أو بقيت منشآت النفط والغاز خارج الخدمة لفترة أطول، فإن العالم قد يواجه خسارة إضافية في الناتج العالمي بنحو 0.5% بحلول السنة الثانية، مع ارتفاع أسعار المستهلكين عالمياً بنحو 0.7 نقطة مئوية في السنة الأولى و0.9 نقطة في الثانية.

جوهر المشكلة هنا أن صدمة الطاقة لا تعمل وحدها، بل تتداخل مع اقتصاد عالمي خرج أصلاً من سنوات ثقيلة: ديون مرتفعة، هوامش مالية ضيقة، نمو ضعيف في بعض الاقتصادات المتقدمة، واعتماد مستمر على سلاسل إمداد شديدة الحساسية للاختناقات الجيوسياسية. الخطأ الأكبر قد يكون في تحويل صدمة عرض إلى أزمة طلب، عبر تشديد نقدي سريع يضغط على الاقتصاد أكثر مما يسيطر على التضخم.

هذا التنبيه مهم لأن البنوك المركزية تجد نفسها مرة أخرى أمام معضلة مألوفة: هل تواجه ارتفاع الأسعار برفع الفائدة، أم تتجنب خنق النشاط الاقتصادي في لحظة هشّة؟ والواقع أن الخطر يكمن في الجمع بين الاثنين: تضخم مرتفع ونمو متباطئ، أي صيغة أقرب إلى ركود تضخمي مخفف منه إلى دورة اقتصادية عادية.

تقدم التجارة العالمية دليلاً إضافياً على هذا الهشاشة. فقد ذكر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في تحديثه الأخير، أن التجارة العالمية دخلت العام الحالي بزخم مستمر من 2025، حين ارتفعت بنحو 2.5 تريليون دولار إلى مستوى قياسي بلغ 35 تريليون دولار. لكن المؤسسة نفسها حذرت من أن هذا الزخم مرشح للتباطؤ لاحقاً في 2026 بفعل التوترات التجارية وارتفاع تكاليف التجارة، مضيفة أن الحرب الجارية واضطرابات الشحن في مضيق هرمز ستكثف الضغوط التضخمية على اقتصاد عالمي يعاني أصلاً من توترات جيوسياسية وتبدلات تنظيمية ومساحة مالية محدودة.

مختبر التباطؤ الإقليمي 

إقليمياً، تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان مختبراً مبكراً لهذا التباطؤ. البنك الدولي خفّض توقعاته لنمو المنطقة، باستثناء إيران، من 4% في 2025 إلى 1.8% في 2026، وهو مستوى يقل بـ2.4 نقطة مئوية عن تقديراته في يناير.

كما خفّض توقع نمو اقتصادات مجلس التعاون الخليجي من 4.4% إلى 1.3% في 2026. أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في حجم الخفض، بل في ما تعكسه من انتقال سريع للأثر من ساحة الصراع إلى الاقتصادات المجاورة عبر الطاقة والتجارة والسياحة والتحويلات والضغوط المالية. هذا يعني أن التباطؤ العالمي لن يظهر فقط في البيانات المجمعة للدول الكبرى، بل سيتشكل أيضاً عبر مناطق يفترض عادة أنها تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها تجد نفسها هنا أمام صدمة أكثر تعقيداً من مجرد مكاسب سعرية ظرفية.

جنوب آسيا يقدم مثالاً آخر على اتساع دوائر التأثر. فقد أفادت “رويترز” نقلاً عن البنك الدولي بأن نمو المنطقة قد يتباطأ إلى 6.3% في 2026 تحت تأثير صدمة الخليج، حتى وإن بدت بعض الاقتصادات، مثل الهند، أقدر نسبياً على التحمل بفضل هوامش كلية أفضل. الرسالة هنا واضحة: ليس ضرورياً أن تكون الدولة طرفاً مباشراً في الصراع حتى تتأثر. يكفي أن تكون مستوردة للطاقة، أو مرتبطة بتدفقات تحويلات، أو معتمدة على شحن بحري أكثر كلفة، حتى تدخل في نطاق التباطؤ.  

في العمق، يمكن تلخيص التحذيرات الدولية في أربع قنوات رئيسية. الأولى هي قناة الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى رفع كلفة الإنتاج والنقل والكهرباء. الثانية هي قناة التضخم، التي تضغط على الدخول الحقيقية وتضعف الاستهلاك. الثالثة هي قناة التجارة والشحن، حيث ترفع المخاطر والتأمين وكلفة النقل تكلفة كل شيء تقريباً. أما الرابعة فهي قناة الثقة، أي تردد الشركات في الاستثمار وعزوف الأسر عن الإنفاق عندما يصبح الأفق السياسي والاقتصادي أقل قابلية للتنبؤ. وهذه هي النقطة التي تلتقي عندها تحذيرات “رويترز” والمؤسسات الدولية. “الخطر ليس دراماتيكياً بالضرورة، لكنه تراكمي وممتد”.

حكومات مثقلة بالديون

مع ذلك، لا تزال هناك مساحة للتمييز بين السيناريوهات. إذا انحسر الاضطراب في الطاقة خلال الأشهر المقبلة، فقد يبقى التباطؤ محدوداً نسبياً، مع ارتفاع مؤقت في التضخم وتأجيل جزئي لخفض الفائدة في بعض الاقتصادات. أما إذا طال أمد الاختناقات في “هُرمز” أو استمرت الأضرار في البنية التحتية للطاقة، فإن الصورة تصبح أكثر قتامة. نمو أضعف، تضخم أعلى، وضغط أكبر على الحكومات المثقلة أصلاً بالديون. لهذا تحذر منظمة التعاون الاقتصادي من الدعم العشوائي واسع النطاق، كما يحذر البنك الدولي من الإعانات غير القابلة للتمويل، فيما يدعو صندوق النقد إلى مزيج أكثر دقة: دعم مؤقت وموجّه للفئات الأكثر هشاشة، من دون تحويل الصدمة إلى أزمة مالية إضافية.  

العالم لا يقف اليوم أمام ركود عالمي مؤكد بقدر ما يقف أمام مرحلة يتراجع فيها هامش الأمان. النمو لم ينهَر بعد، لكنه صار أكثر اعتماداً على فرضية أن تبقى الصدمات الجيوسياسية تحت السيطرة. والتحذيرات المتزايدة من تباطؤه لا تعكس فقط أثر حرب أو ارتفاع نفطي طارئ، بل تكشف هشاشة أعمق في الاقتصاد الدولي: اعتماد مفرط على طاقة قابلة للتسييس، وتجارة حساسة للاختناقات، وسياسات مالية ونقدية أقل مرونة مما كانت عليه في أزمات سابقة.