شكلت أزمة الإمدادات التي خلّفها إغلاق مضيق هرمز، أكبر تهديد في التاريخ لأمن الطاقة العالمي. وعلى الرغم من أن الأسعار تخلّصت من بعض الضغوط جراء تفاؤل ساد دخول واشنطن وطهران في مفاوضات ممتدة للتوصل إلى اتفاق، إلا أنها سرعان ما استأنفت الصعود بمجرد عودة العمليات العسكرية مع تل أبيب. ورغم توفر كل الشروط وعلى رأسها صدمة العرض، ما زالت الأسعار بعيدة عن سيناريو الـ200 دولار الذي رجح كثيرون حدوثه كنتيجة منطقية.
قد يعود جزء من ذلك إلى اعتقاد أسواق الطاقة الراسخ بأن أطراف الصراع لا تبدي رغبة في إطالته، وبأن لا مصلحة لأحد في ذلك. وربما يعكس الأمر أيضاً فجوة قديمة في سوق النفط متعلقة بضعف الشفافية في ما يخص حجم الطلب الفعلي ووضوح الحالة الحقيقية لسوق يعتمد التسعير فيها على المشاعر والتوقعات أكثر من الأساسيات. لكن، ثمة عوامل أربعة رئيسة تكمن وراء هذا الهدوء النسبي للسوق، كبحت جماح سعر البرميل، على الرغم من أن مضيق هرمز ظل مغلقاً إلى حدّ كبير لأكثر من 3 أشهر، معطلاً تدفقات بنحو 12% من الإمدادات العالمية.
اللجوء إلى المخزونات
العامل الأول هو لجوء العديد من الدول والحكومات إلى الإفراج عن احتياطاتها النفطية ومخزوناتها التجارية بوتيرة غير مسبوقة لسدّ فجوة العرض. إذ وافقت 32 دولة عضواً في وكالة الطاقة الدولية على إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات الاستراتيجية الطارئة، في خطوة هي الأضخم في التاريخ، للمساعدة في تعويض الإمدادات المفقودة. الإدارة الأمريكية وحدها تعهدت بضخ 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، نصفها حتى الآن أبحر إلى أوروبا ووجهات خارجية أخرى.
لكن، هذه المخزونات ليست مرنة إلى ما لا نهاية في ظل صعوبة تعويضها، وبمجرّد اقترابها من مستويات دنيا، من المتوقع أن ترتفع الأسعار بشكل حادّ لتعكس الندرة الحقيقية.
حولت ثورة النفط الصخري الأمريكي، التي بدأت قبل أكثر من عقد، الولايات المتحدة إلى مُصدر صافٍ للنفط الخام والمنتجات المكررة لسنوات. هذه الوفرة في الطاقة المحلية شكلت وضعاً داعماً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب سمح له بتحركات جيوسياسية كانت تعتبر غير واردة في السابق، كحرب إيران.
ومع اندلاع التوترات في مضيق هرمز، استخدمت واشنطن قوتها الإنتاجية للإسهام في استقرار أسواق الطاقة، عبر رفع الإنتاج بالتوازي مع التعهد بالإفراج عن الاحتياط الاستراتيجي.
ضعف شهية أكبر مستورد للنفط
خفضت الصين، أكبر مستورد وثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، وارداتها من النفط المنقول بحراً إلى 7.8 مليون برميل يومياً الشهر الماضي، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2017، وذلك استجابة لارتفاع التكلفة مع استمرار الاضطراب في مضيق هرمز.
في المقابل، استوردت البلاد نحو 11.6 مليون برميل يومياً خلال العام 2025، وفق بيانات جمركية.
ترك هذا التقليص الصامت متنفساً للمستوردين الآخرين من خلال تخفيف المنافسة على العرض المحدود. ويبدو أن “أباريق الشاي” كما يطلق على مصافي التكرير الصينية المستقلة التي تمثل حصة كبيرة من قدرة التكرير في الصين، قد لجأت إلى مخزوناتها التجارية لتعويض انخفاض الواردات، أو ربما تكون بكين قد لجأت إلى احتياطاتها الاستراتيجية الضخمة.
يمكن القول إن انسحاب الصين الجزئي من سوق الاستيراد أسهم في امتصاص الصدمة بشكل فعّال، عبر إحداث توازن غير تقليدي تعمل فيه مخاطر العرض وتدمير الطلب على إلغاء بعضهما البعض.
محاولات الإفلات من “هُرمز”
جنّبت البدائل التي أوجدتها كل من السعودية والإمارات عبر خطوط أنابيب تضمن تصدير النفط بعيداً عن هرمز، إن كان عبر ينبع أم الفجيرة، العالم أزمة أعمق. فعبر إتاحة نحو 8.5 مليون برميل من النفط يومياً للتصدير عبر الميناءين، تم تقليص فجوة العرض التي كان يفترض أن تكون أكبر بكثير مع مرور 20 مليون برميل من النفط يومياً في المتوسط عبر هرمز قبل إغلاقه.
بموازاة ذلك، ساعدت محاولات الإفلات اليائسة من “ورطة هرمز” التي تكلّل عدد كبير منها بالنجاح بتشجيع ودعم أمريكيين، على تحرير ملايين البراميل التي كانت عالقة على ظهر الناقلات في مياه الخليج. آخرون تمكنوا من خلال تفاهمات مع الحرس الثوري الإيراني عبر بعض الحكومات أو الشركات من مغادرة المضيق.
أثبتت أسواق النفط قدرة ملحوظة على التكيف في الأشهر الأخيرة، في ظل معادلة مؤاتية: ارتفاع الصادرات الأمريكية وانخفاض الواردات الصينية، التي كانت جزئياً السبب وراء تراجع سعر “برنت”؛ فضلاً عن تأثير تخفيف بعض القيود على النفط الروسي الذي عزز تدفقات الخام إلى الهند – المستورد الكبير الآخر – وتراجع الطلب العالمي نتيجة تضخم الأسعار.
مع ذلك، أصبحت الآن بعض تلك الحلول والعوامل الداعمة موضع تساؤل، في ظل انكماش احتياطيات النفط ووصول مخزونات الوقود إلى مستويات حرجة مع اقتراب أشهر ذروة الطلب الصيفي.
وحتى لو أعيد فتح مضيق هرمز اليوم، لن يُترجم ذلك فوراً إلى انتعاش مطلق في حركة الشحن. فمن المرجح أن يظل الحذر بشأن دخول مياه الخليج طاغياً، هذا إن لم نشهد سيناريو معاكساً عنوانه أزمة إضافية في مضيق باب المندب قد تقود إلى صدمة طاقة أشد نستعيد بها سقف التوقعات عند الـ200 دولار للبرميل وربما أكثر.















