كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي
كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

صفقات بملايين الدولارات تشعل المنافسة في سوق “كان” السينمائي

كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي
كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي

شهد سوق الفيلم (Marché du Film)، المقام على هامش الدورة الأخيرة من مهرجان “كان” السينمائي، واحدة من أكثر دوراته نشاطاً خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل سلسلة من الصفقات الضخمة الخاصة بحقوق التوزيع العالمية، في وقت باتت فيه الشركات والمنصات تبحث عن المشاريع القادرة على الجمع بين القيمة الفنية والجدوى التجارية.

تؤكد الأرقام التي سُجلت هذا العام أن سوق “كان” لا يزال يمثل البوصلة الأهم لصناعة السينما العالمية، حيث يجتمع المنتجون والموزعون والممولون لإبرام صفقات تمتد آثارها إلى شباك التذاكر العالمي ومنصات البث خلال السنوات المقبلة. وقد استقطب السوق نحو 16 ألف مشارك من أكثر من 140 دولة، في رقم قياسي يعكس استمرار جاذبية السوق رغم التحولات الكبيرة التي تعيشها الصناعة السينمائية العالمية. 

“مكتبة منتصف الليل” في الصدارة

وجاء فيلم “مكتبة منتصف الليل” (The Midnight Library) في صدارة الصفقات، بعدما بيعت حقوق توزيعه مقابل 36 مليون دولار. الفيلم المقتبس من رواية مات هيغ الشهيرة من إخراج غارث ديفيز، وتقوم ببطولته فلورنس بيو، وقد تحول سريعاً إلى أحد أكثر المشاريع طلباً داخل السوق.

كما حصد فيلم “الضخ الأسود” (Pumping Black)، الذي يجمع جوناثان بيلي وناتالي بورتمان، صفقة ضخمة بلغت 20 مليون دولار، مستفيداً من الزخم الجماهيري والإعلامي الذي يرافق نجميه.

GWA

ومن بين الأعمال التي فاجأت المتابعين، نجح فيلم “ابن النادي” (Club Kid) للمخرج جوردان فيرستمان في تحقيق صفقة وصلت إلى 17 مليون دولار، ليؤكد أن السوق لا يراهن فقط على الإنتاجات الضخمة، بل أيضاً على المشاريع التي تحمل أصواتاً إخراجية جديدة قادرة على جذب الجمهور.

أما فيلم “قطاع طرق راتل كريك” (Brigands of Rattlecreek) للمخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك، فقد بيع مقابل 15 مليون دولار، مستفيداً من حضور نجومه ماثيو ماكونهي وأوستن بتلر وبيدرو باسكال، إضافة إلى السمعة العالمية التي يتمتع بها مخرجه بعد نجاحاته المتتالية في المهرجانات الدولية.

“هوب” يعزز الحضور العالمي للسينما الكورية

لكن واحدة من أكثر الصفقات إثارة للاهتمام هذا العام ارتبطت بفيلم “هوب” (Hope) للمخرج الكوري نا هونغ-جين، الذي نافس ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان. الفيلم الذي يجمع في بطولته مايكل فاسبندر وأليشيا فيكاندر وتايلور راسل وهوانغ جونغ-مين، تحول إلى ظاهرة حقيقية داخل السوق، بعدما بيعت حقوقه لأكثر من 200 منطقة حول العالم، في ما وصفته الصحافة المتخصصة بأنه أكبر سجل مبيعات خارجية لفيلم كوري قبل عرضه التجاري.

وحصلت شركة Neon على حقوق التوزيع في الولايات المتحدة وعدد من الأسواق الناطقة بالإنجليزية، فيما استحوذت منصة Mubi على مجموعة واسعة من الحقوق في القارة الأوروبية وأميركا اللاتينية قبل العرض العالمي الأول للفيلم في كان.

وتبرز أهمية صفقة “هوب” ليس فقط بسبب حجمها التجاري، بل لأنها تعكس الصعود المتواصل للسينما الكورية في الأسواق الدولية منذ النجاح التاريخي الذي حققه فيلم “باراسايت”. فاليوم باتت الأسماء الكورية الكبرى قادرة على جذب استثمارات عالمية ومبيعات مسبقة تنافس أضخم المشاريع الأميركية.

الأفلام المستقلة تستعيد بريقها في السوق الدولية

في موازاة الأفلام التجارية الكبرى، شهد السوق أيضاً اهتماماً متزايداً بالأعمال الفنية المغايرة، سواء منها القادمة من أوروبا أو العالم العربي أو أفريقيا. فقد واصل عدد من الأفلام المشاركة في أقسام المهرجان المختلفة إبرام اتفاقيات توزيع دولية، من بينها الفيلم التونسي “سماء موعودة” (Promised Sky) للمخرجة أريج السحيري، الذي استفاد من حضوره في قسم “نظرة ما” ومن شبكة التوزيع الدولية التي تقودها شركة Luxbox، إلى جانب بيع حقوقه في المنطقة العربية عبر MAD Distribution.

وكان واضحا أن دورة هذا العام كشفت تحولاً هاماً في طبيعة السوق. فبعد سنوات من هيمنة المنصات العملاقة والأفلام ذات الميزانيات الضخمة، عاد الاهتمام تدريجياً إلى الأفلام المتوسطة الكلفة التي تتراوح ميزانيتها بين 10 و15 مليون دولار، مع تزايد اعتماد المنتجين على التمويل الأوروبي المشترك والمبيعات المسبقة لضمان استكمال المشاريع.

كما أظهرت الصفقات أن المنافسة لم تعد تقتصر على حقوق العرض السينمائي التقليدي، بل أصبحت تشمل حقوق البث الرقمي على المنصات العالمية، ما رفع من قيمة المشاريع التي تمتلك عناصر جذب دولية، مثل النجوم المعروفين أو الروايات الأكثر مبيعاً أو المخرجين أصحاب السمعة المهرجانية.

بينما كانت السجادة الحمراء تستقطب عدسات المصورين، كانت الأرقام التي تُتداول خلف أبواب السوق تؤكد حقيقة أخرى: أن المعركة الحقيقية في كان لا تُحسم فقط بالجوائز، بل أيضاً بالصفقات التي تحدد مستقبل الأفلام في الأسواق العالمية. وقد أثبتت دورة هذا العام أن حقوق التوزيع أصبحت ساحة تنافس لا تقل إثارة عن المنافسة على السعفة الذهبية.